مصر في العصر البطلمي ... (2)
-----------------------------------------------------
شهد عصر الأسرة السادسة والعشرين الفرعونية طفرة في العلاقات بين مصر وبلاد الإغريق ، وذكر المؤرخ الإغريقي هيرودوت، أن المرتزقة الإغريق ساعدوا ماتجب في اعتلاء العرش وقد استمر فراعنة العصر الصاری(*نسبة إلى سايس أو صا الحجر عاصمتهم على فرع رشيد بالغربية حاليا)... استمروا في استخدام المرتزقة الإغريق في جيوشهم ، وشارك هؤلاء المرتزقة في حملات الملك إبسماتيك الثاني على النوبة في عام 593 ق.م ..
و بعد ازدياد النشاط التجاري للإغريق في مصر ، قام التجار الإغريق بإنشاء مدينة نقراطيس Naucratis وموقعها في محافظة البحيرة حاليا .
وفي خريف عام 332 ق.م. تقدم الإسكندر نحو مدينة غزة ، فسلمت له بعد أن حاصرها لمدة شهرين . وأصبح على مشارف مصر ، فبلغ مدينة بيلوزیون Pelosion ( تل الفرما الحالية . شرقی بورسعيد ) فسارع الوالي الفارسي بالاستسلام للفاتح المقدوني .
أبحر الإسكندر في الفرع البلوزی لنهر النيل ، ووصل إلى مدينة منف مقر عبادة الإله بتاح ، وحرص على إظهار احترامه للديانة المصرية ، فقدم القرابين للآلهة ، ثم أبحر في الفرع الكانوبي لنهر النيل ، حتی مصب هذا الفرع عند مدينة كانوب ( أبو قير الحالية )،
وسار بعد ذلك برا قاصدا مدينة تورینی Cyrene ، بليبيا محافظة الجبل الأخضر ؛ وأثناء سيره لفت انتباهه موقع قرية صغيرة ، تدعى راقودة Rhacotis ، وتقع قبالتها في البحر جزيرة تسمي فاروس Pharos ؛ فقرر إقامة مدينة في هذا الموقع ، وعهد إلى.مهندس يدعی دینوکراتیس Deinocratis بتخطيط المدينة ، وتم إقامة جسر إلى جزيرة فاروس وأطلق على المدينة الجديدة إسم الإسكندرية .
وعندما بلغ مدينة برايتونيون Paraetonion وهي مرسي مطروح الحالية ؛ التقى وفدا من مدينة تورینی جاء لمبايعته وتقديم الهدايا له .فلم يكمل مسيره إلى ليبيا وقرر أن يخترق الصحراء جنوبا إلى واحة سيوة ؛ ليزور معبد الإله آمون ، فاستقبله كبير الكهنة قائلا " أهلا بابن آمون"، ودعاه إلى دخول قدس الأقداس .
بعد أن فرغ الإسكندر من زيارة سيوة ، عاد إلى وادي النيل ، وحرص على أن يعلن للجميع عن دخول مصر ، في إمبراطوريته المقدونية ؛ و قسم إدارة مصر إلى قسمين هما الوجه البحرى ، والوجه القبلي ؛ وجعل على كل قسم منها حاكما من أبناء البلاد ؛ ووضع كليومینس الإغريقي على رأس النظام المالي لمصر ....ثم غادر لاستكمال غزواته ضد الفرس
ولغزو الهند وأفغانستان ..
و بعد موت الإسكندر احتدم صراع عنيف بين قادته استمر فاضطروا لعقد مؤتمر بابل في سنة 323 ق.م خرج بعدد من القرارات أهمها :-
1- تنصيب أرهیدایوس ملكا على الإمبراطورية، باسم فليب الثالث، وعند ولادة روكسانا ولدا يكون شريكا لعمه في الحكم، وبعد مرور شهر على ذلك أنجبت ولدا سمي بالإسكندر الرابع .
2- وضع برديکاس Predicas وكراتیروس وصيان على الملك فليب الثالث(أرهيدايوس) المجنون؛ والإسكندر الرابع الرضيع ، كما منح برديكاس في منصب القائد الأعلى للجيوش في آسيا،
3- كما جاء في مقررات مؤتمر بابل أيضأ توزيع الولايات الكبرى والمهمة في الإمبراطورية على أبرز واشهر القادة، ويكونوا ولاة خاضعين إلى حكم الوصي برديكاس الذي اتخذ مدينة بابل مقرا له .
ويهمنا من هؤلاء خمسة قادة فقط بعد أن أصبحوا محور الأحداث في ذلك الوقت هم وأسرهم :۔
للتفاصيل و المصادر انظر الفقرة السابقة رقم (1)
-----------------------------------------‐------------‐--------------
323 - 284 ق.م
ينتمي بطليموس إلى إحدى العائلات المقدونية النبيلة
(*1) ، وكان أكبر من الإسكندر ببضعة أعوام ، ويعد من أصدقائه المقربين ، فقد لازمه في المنفى في أبيروس حين تعرض الإسكندر وأمه أوليمپياس لغضب فيليب أبيه ، وقرر نفيهما من مقدونيا .
عاد بطليموس إلى الوطن مقدونيا مع الإسكندر بعد انتهاء النفي ، ولازم الإسكندر منذ ذلك الحين ، وقد أبلى بلاء حسنا
في كل المعارك التي خاضها ، مما أهله لكي يصبح عضوا في مجلس الحرب الأعلى ، وقد.حرص بطليموس على تسجيل مذكراته ، في أثناء مشاركته في حملات الإسكندر ، وعلى
الرغم من عدم وصول هذه المذكرات إلينا ، إلا أننا عرفنا محتوياتها من خلال مصادر أخرى ....(*2)
ومن الواضح أن بطليموس كان يطمح إلى الحصول على ولاية مصر ، وهذا ما يبدو من خلال التفاصيل التي أوردها عن هذا البلد في مذكراته ، فقد أدرك بفطنته أن مصر سوف
تكون بمنأی عن الصراعات التي ستدور بين قادة جيش الإسكندر ، كما أنها تتمتع بخيرات تمكنه من إقامة دولة وطيدة الأركان .
وصل بطليموس إلى مصر بعد خمسة شهور من وفاة الإسكندر ، فوجد كلیومینیس النقراطيسي الذي كان الإسكندر قد عينه مشرفا على الشئون المالية ، وقد انفرد بالسلطة علي
البلاد . مما أثار حفيظة بطليموس ، لأنه يعرف بامر الصداقة التي تربط ما بين برديکاس وهذا الرجل ، فأخذ يتحين الفرصة للتخلص منه . ..
وقد واتته تلك الفرصة عندما راح بتلقی شکاوی من الأهالي من الإجراءات المالية التي طبقها كليومینس ، فأمر بإعدامه ، ومصادرة ممتلكاته ..(*3) .
بعد أن تخلص بطليموس من تلك العقبة الكأداء، والتي كانت تتمثل في کليومینیس النقراطيسي ، راح يعمل على تدعيم مكانته في مصر ، وتأمين حدود هذه الولاية الإغريقية ، وفي هذا الإطار استجاب لطلب قوريني ، وهي مستوطنة إغريقية تقع على حدود مصر الغربية ( في ليبيا الحالية ) ، وكانت قد استنجدت به من أجل وضع حد للاضطرابات التي كانت تعاني
منها ، فبادر بإرسال قوة تمكنت من الاستيلاء على هذه الولاية ، وضمها لمصر في عام 322 ق.م.
راح بردیكاس الوصي على العرش المقدوني ، يراقب سلوك الولاة بكثير من الشك والريبة ، فقد أخذت النوازع الإستقلالية لديهم تطل برأسها ، وظهر من سلوك بطليموس إتجاهه الواضح نحو الاستقلال ، وبخاصة بعد قيامه بإعدام کلیومینیس النقراطيسي ، وتوسيع حدود ولايته غريا .
ومن ناحية أخرى ، لم يكن الولاة أقل توجسا في نظرتهم إلى بردیکاس وفسروا الكثير من تصرفاته على أنها رغبة منه في الاستحواذ على العرش المقدوني . ..(*4)
وكان برديكاس الوصي على عرش الإمبراطورية ؛ معروفا عنه رغبته في الزواج من كليوباترة شقيقة الإسكندر ، فسارعوا إلى عقد تحالف ضده، وشارك بطليموس في هذا الحلف ..
لم يلبث بطليموس أن أقدم على خطورة أخرى ، أدت إلى زيادة شكوك پردیکاس ومخاوفه منه ، وكان قد تقرر في مؤتمر بابل تحنيط جثمان الإسكندر على يد أطباء مصريين ، على أن يرسل بعد ذلك إلى مقدونيا لدفنه هناك .
وقد حاول بطلمیوس آنذاك إقناع باقي القادة بأن الإسكندر كان يرغب في أن يدفن في واحة سيوة ، في مصر في رحاب معبد الإله آمون ؛ إلا أن القادة رفضوا الاستماع إلى هذه الفكرة ، لكن بطليموس بيت النية على تنفيذ فكرته ؛ فقام بالاتفاق مع الضابط الذي أسندت إليه مهمة قيادة جنازة الإسكندر للإستيلاء على الجثة ،..
وتنفيذا لهذا الاتفاق قام هذا الضابط بتغيير خط سير الجنازة ، فاتحجه بها إلى جنوب سوريا حيث سلم الجثمان إلى رجال بطليموس . وتم دفن الجثمان في منف في البداية ثم نقل إلى الإسكندرية بعد ذلك .
يمكننا أن نتفهم أهمية هذه الخطوة التي أقدم عليها بطليموس إذا ما عرفنا أن يومپنیس إستولی على خيمة الإسكندر ، واحتفظ بها كتعويذة تجلب له الحظ ، وادعى أن روح الإسكندر ما تزال كامنة في هذه الخيمة ، (*5)
وكان بطليموس يرمی من وراء هذه الخطوة إلى جعل مصر عاصمة للإمبراطورية المقدونية ؛ لأنها ستصبح بذلك الولاية التي تحوي قبر مؤسس الإمبراطورية و الذي ارتفع في نظر
الإغريق إلى مرتبة التقديس ...
وفي ربيع عام 321 ق.م. سار على رأس قواته قاصدا مصر إلا أنه فشل في عبور الفرع البلوزی لنهر النيل ..(*6).
وكان برديكاس مكروها من جنوده ، فثاروا عليه وقتلوه ، وبعد مقتله إجتمع القادة المقدونيون للمؤتمر الثاني ؛ في تریاباراديسوس Triparadisos لإعادة تنظيم الإمبراطورية المقدونية (*7).
ويقتضي الاتفاق الذي وقع عليه القادة في ذلك المؤتمر :
▪︎ تعيين أنتيباتروس خلفا لپردیکاس ، في منصب الوصاية على العرش المقدونی ، على أن يتخذ من مقدونيا مقرا
له ، فاتجه إلى مقره مصطحبا فيليب أرهیدایوس المجنون والإسكندر الرابع الطفل ( يعني أخو الإسكندر و ابنه الصغير من زوجته روكسانا) ..
▪︎ إستمرار أنتيجونس واليا على فريجيا في آسيا الصغرى، وكذلك الحال بالنسبة إلى لوسيماخوس الذي ظل في منصبه، واليا على تراقيا ، كما تم الاعتراف بولاية بطليموس على مصر وبرقة ( قورینی ).
▪︎أما سلوقس الضابط الذي أقدم على قتل بردیکاس فقد منح ولاية بابل .
وعقب وفاة أنتيباتروس في عام 315 ق.م. تقرر إسناد منصب الوصاية على العرش إلى قائد آخر من رجال الإسكندر، ويدعی بوليبرخون Polyperchon ، مما أثار حفيظة كاسندروس Casandros ابن أنتيباتروس ، الذي كان يرى نفسه أحق بهذا المنصب ، فراح يثير القلاقل في وجه الوصي الجديد ، وتمكن من الحصول على تعاطف كل من أنتيغونس وبطليموس .
وكان بطليموس يطمع في الاستيلاء على الجزء الجنوبي من سوريا ، وهو الإقليم الذي يعرف باسم جوف سوريا Coel Syria ، ويشمل فلسطين وجنوب سوريا وفينيقيا(*8).
وذلك نظرا للأهمية التي يمثلها هذا الإقليم ، من الناحية الاستراتيجية لمصر ، فضلا عما يحتويه من موارد خامات ، كانت ضرورية في بناء الأسطول البحري لبطليموس، والذي سيمكنه من جعل مصر تلعب دورا فعالا في منطقة بحر إيجة .
كما أن هذا الإقليم كان يتحكم في طرق التجارة التي تأتي من الشرق ، وتصب في البحر المتوسط .
أخذ بطلمیوس يخطط للإستيلاء على إقليم جوف سوريا ، وانتهز فرصة وفاة أنتيباتروس( الوصي السباق على عرش الإمبراطورية ) ، واستغل الاضطرابات التي أعقبت هذه الوفاة ، وقام بالانقضاض على هذا الإقليم جوف سوريا ، وضمه إلى مصر ،...
ومن ناحية أخرى فإن أنتيغونس كان يسعى إلى فرض
هيمنته على سائر أنحاء آسيا الصغرى ، لذا سارع بإرسال قوات لمساعدة كاسندروس ابن أنتيباتروس ، في صراعه مع بولیبرخون ، الذي خلف أنتيباتروس في منصب الوصاية .
ولم تكن عائلة الإسكندر بمنأی عن هذه الصراعات ، فقد انحاز فيليب أرهیدایوس (المجنون أخو الإسكندر ) وزوجته الطموحة فوردیکی Furydike ،... إنضما إلى كاسندروس بسبب كراهيتهم لإوليمبياس أم الإسكندر ،...
و كانت أوليمبياس تؤيد بولیبرخون ، مما دفعها إلى التآمر عليهما ، وقتلهما في عام 314 ق.م.
أما روکسانا الأرملة وابنها الإسكندر الرابع فقد أصبحا في قبضة كاسندروس ، الذي نجح في السيطرة على مقدونيا بعد فرار بوليبرخون ،..( *9)
وفي الشرق تمکن أنتيغونس من اجتياح آسيا الصغرى، وأخذ يحلم بإحياء إمبراطورية الإسكندر ، واتجه إلى بابل حيث كان سلوقس يشغل منصب الوالي ، وأخذ يعامله كما لو كان أحد أتباعه ، وأطلق على نفسه لقب ملك آسيا ؛ فاضطر سلوقس إلى الهرب إلى بطليموس في مصر ، لكي يطلب مساعدته في استعارة
مكانته في بابل (*10)
وقد أبدى بطليموس استعدادا طيبا لمساعدة سلوقس ، وعينه نائبا على أسطول مصر في البحر المتوسط ، مما أدى إلى إثارة غضب أنتيغونس ، فقام بالهجوم على.إقليم جوف سوريا في عام 315 ق.م. واضطر بطليموس إلى الإنسحاب من هذا الإقليم .
واصل أنتيغونس زحفه على ساحل سوريا ، فوصل حتى مدينة غزة ، وفي تلك الأثناء استولی بطليموس على جزيرة قبرص ، لكي يتخذ منها قاعدة تمكنه من الهجوم على قوات
أنتيغونس في سوريا .
وقد أثار سلوك أنتيغونس وطموحاته المخاوف لدى باقي القادة ، لذلك فقد سعوا إلى إقامة حلف ضم كلا من بطليموس و لوسيماخوس وكاسندروس ووجهوا إنذارا إلى إنتيغونس مطالبين إياه بالتنازل عن الأراضي التي استولى عليها مؤخرا
، وإعادة سلوقس إلى مقر ولايته في بابل ، والإنسحاب من جوف سوريا ، والإعتراف بسلطة كاسندروس في بلاد اليونان ومقدونيا ، ولكن أنتيغونس رفض هذا الإنذار، وأخذ يعمل على تحريض المدن اليونانية ضد كاسندروس ، وأعلن أنه يسعى إلى منح هذه المدن حريتها واستقلالها ..
وفي عام 312 ق.م. توجه بطليموس على رأس قواته لاستعادة إقليم جوف سوريا ، الذي كان يتولى إدارته ديمتريوس Demetrios ابن أنتيغونس ؛ ونجح بطليموس في مهمته ، وألحق الهزيمة بديمتريوس (*11) .
وقد لعب سلوقس دورا بارزا في تحقيق هذا الانتصار ، فکافأه بطلميوس بأن زوده بقوة لكي يتمكن من استعادة مركزه في بابل .
ولكن في عام 311 ق.م. عاد ديمتريوس لکی يثأر لهزيمته ، ولحق به أبوه أنتيغونس ، مما أضطر بطليموس إلى الانسحاب مرة أخرى .
وفي هذا العام أيضا (311ق.م) شق أونيلاس Ophelas حاکم قورینی عصا الطاعة ، وأعلن استقلاله بهذا الإقليم عن مصر ..
وعندما ضاق القادة ذرعا بهذه الحروب المتوالية ، قرروا أن يضعوا حدا لها ، وجدوا أنه من الأفضل الإذعان لمطالب أنتيغونس و ولده ديمتريوس ؛ وفي المقابل وافق أنتيغونس على بقاء كاسندروس حاكما على مقدونيا ، و لاسيماخوس حاكما على تراقيا ، وأن يظل بطلميوس حاكما على مصر ، بشرط تخليه عن جون سوريا ، وساحل فينيقيا ؛ واضطر بطلميوس إلى الرضوخ لهذا الاتفاق على مضض .
ومما يستلفت النظر أن هؤلاء القادة ، وقعوا إتفاتهم بإسم
الملك الطفل الإسكندر الرابع ، الذي نص الإتفاق أيضا ، على أن يتولى عرش مقدونيا ، بعد أن يبلغ سن الرشد ؛ غير أن كاسندروس بادر بقتل هذا الطفل قبل مضي عام من توقيع
الاتفاق ، خوفا من أن يضطر إلى التنازل عن سلطاته للإسكندر الرابع ؛ وكان قد سبق له تسليم أوليمبياس أم الإسكندر إلى أعدائها الذين قاموا بالإجهاز عليها ...(*12)
أخد بطليموس يعمل على بناء قوته البحرية ، وتدعيم مكانته ، فقام في عام 309 ق.م. بالإستيلاء على منطقة ليكيا Lycia في آسيا الصغرى ، وجزيرة كوس Cos في بحر إيجه ؛
وفي العام التالي قام بالاستيلاء على مجموعة جزر الكيكلاديس Cyclades ، التي تتمتع بموقع مهم في مدخل بحر إيجه ، وذلك تحت دعوى تحريرها من أنتيغونس ، وراح يتدخل في شئون بلاد اليونان ، وبات تدخله في هذه المنطقة بشكل تهديدا لنفوذ كاسندروس
وفي هذا العام (309 ق.م)نجح ماغاس Magas إبن زوجة بطليموس في استعادة قوريني لمصر ، وعينه بطليموس نائبا
له في هذه الولاية ؛...
ولكن في عام 301 ق.م. تلقى بطليموس لطمة قاسية ، بالقرب من قبرص ، على يد ديمتريوس الذي تمكن من إلحاق هزيمة ثقيلة ببطليموس ...
وما هو جدير بالذكر أن خلفاء الإسكندر بعد هذه الموقعة إتخلوا لأنفسهم لقب ملك ، وكان البادىء بهذه الخطوة
هر أنتيغونس ، ولم يلبث بطليموس أن حذا حذوه ؛ وتبعه الآخرون .(*13)
ولم يكتف أنتيغونس بهذا الإنتصار العسكري الذي أحرزه علی بطلميوس ، بل أخذ يسعى إلى شن حرب اقتصادية ضده ، فطلب من جزيرة رودس أن تقطع علاقاتها الاقتصادية
مع الإسكندرية ، إلا أن رودس التي كانت تعتبر مصر من أقوى عملائها التجاريين ، رفضت هذا الطلب ...(*14)
فسارع بإرسال أبنه ديمتريوس لحصارها ، وتمكنت الجزيرة من الصمود أمام الحصار بفضل مساعدة بطليموس لها ، وأعترافا منها بهذا الفضل ، قررت رودس رفع بطلمیوس إلى مصاف الآلهة . وأطلقت عليه لقب سوتير الإله المنقذ Soter في عام 305 ق.م. وهو اللقب الذي عرف به بطليموس فيما بعد(*15)
وفي عام 303 ق.م، عاد القادة من جديد إلى إقامة تحالف ضد أنتيغونس ، واستغل.بطليموس إنشغال القادة في ترتيب حساباتهم ، فزحف بقواته شرقا بهدف استعادة إقليم جوف سوريا ولكن سرعان ما سرت شائعة مؤداها أن أنتيغونس نجح في سحق أعدائه ، وأنه في طريقه إلى سوريا ، فأسرع بطلميوس بالانسحاب من جوف سوريا .
ولكن الحقيقة كانت خلاف ذلك تماما . فقد نجح الحلفاء في إلحاق هزيمة منكرة بأنتيغونس في موقعه إيبسوس Ipsos في عام 301ق.م. وكانت آسيا الصغرى هي المسرح الذي شهد أحداث هذه المعركة .
وفي هذه الموقعة خر أنتيغونس صريعا ، وفر ابنه ديمتريوس
وهكذا وضعت معركة إيبسوس نهاية لآخر محاولة لإحياء إمبراطورية الإسكندر . (*16)
وجلس.القادة المنتصرون لإعادة تقسيم الإمبراطورية ، فقرروا تثبیت مکانة كاسندروس في مقدونيا وبلاد اليونان ، وأصبحت آسيا الصغرى من نصيب لوسيماخوس ، وسوريا وبابل من نصيب سلوقس ، أما بطليموس فقد قرروا الاعتراف بمكانته في مصر فقط ، على أن يتم انتزاع جوف سوريا منه ، وضمها إلى ممتلكات سلوقس عقابا له على موقفه المتخاذل إبان حربهم مع أنتيغونس ، لأنه لم يبادر بتقديم المساعدة لهم ، بل استغل إنهماكهم في الحرب لتحقيق مكاسب شخصية .
وقد رفض بطليموس هذا القرار ، وتمسك بسيادته على جوف سوريا ، وهو الأمر الذي سيفضي إلى قيام نزاعات طويلة الأمد بين دولة البطالة في مصر ..، والدولة السلوقية في سوريا وبابل ، ..
ولم يشأ سلوقس أن يدخل في نزاع مع بطليموس لأنه كان مايزال يشعر بالعرفان تجاهه ، نظرا للمساعدة التي قدمها له لاستعادة مركزه في بابل .
وعلى الرغم من فرار دیمتریوس بعد هزيمة إيبسوس ، إلا أنه آثر ألا يبتعد عن مسرح الأحداث ، فعندما توفي كاسندروس ، نجح دمتريوس في الاستيلاء على عرشه في مقدونيا
مما أثار حنق القادة الآخرين، فسارع لوسيماخوس باقتحام مقدونيا في الفترة من عام 288 إلى 285 ق.م.
وفي نفس الوقت تمكن سلوقس من إلقاء القبض على ديمتريوس في عام 280 ق.م ، وبقي في الأسر حتى مات في عام 283 ق.م، ثم تلى ذلك قيام صراع بين لوسيماخوس وسلوقس ، وقد حسم سلوقس الموقف لصالحه .
وقد أخذ سلوقس يحلم بارتقاء عرش مقدونيا موطنه الأصلي ، غير أن الأيام حملت له مفاجاة لم تكن في الحسبان . وكان بطليموس هو مصدر هذه المفاجأة ، فقد قام بطليموس
باستبعاد ابنه الأكبر بطليموس الصاعقة Keratinos ، من وراثة العرش ، ووقع اختياره على الابن الثاني ، لكي يكون ولي عهده ، وبادر بإشراكه معه في الحكم ، وقد انفرد هذا الابن بالعرش في عام (284 - 283 ق.م.) بعد وفاة أبيه .
وقد استشاط بطليموس الصاعقة غضبا ، وفر إلى بلاد اليونان في البداية ، ثم لجا إلى سلوقس لكي يساعده ؛ الذي استعدادا طيبا لمعاونته (*17)
وبعد أن تمكن سلوقس من الإنتصار على لوسيماخوس ، واخذ يستعد لإعلان نفسه ملكا على مقدونيا ، كانت المفجأة أن بطليموس الصاعقة الذي التجأ له ؛ تنكر له ، ودبر مؤامرة أودت بحياته ، وراح هو يتطلع إلي تولى عرش مقدونيا (*18).
وقبل الجنود بهذا الأمر ونادوا ببطليموس الصاعقة ملكا على مقدونيا ، بينما خلف سلوقس على العرش ابنه انطيوخوس الأول .
لم يهنأ بطليموس الصاعقة على عرش مقدونيا ، لفترة طويلة ، إذ تعرضت حدود المملكة إلى هجوم القبائل الكلتية ، وفقد حياته وهو يدافع عن حدود مملكته الشمالية .
واضطربت أحوال العرش المقدوني لبعض الوقت حتى لاح في الأفق انتيغونس الثاني ابن ديمتريوس ، وتحالف
مع أنطيوخوس الملك السلوقی ، وتمكن الاثنان من هزيمة القبائل الكلتية في آسيا الصغرى ، ثم اتجه أنتيغونس بعد ذلك إلى مقدونيا وأعلن نفسه ملكا في عام 277 ق.م.
وهكذا أسفرت الحروب الكثيرة ، التي شهدها عالم ما بعد الإسكندر ، عن ظهور ثلاث ممالك كبيرة على رأس كل منها ملك قوي :
▪︎الدولة السلوقية في بابل وسوريا كان على العرش الملك أنطيوخس الأول ابن سلوقس ،
▪︎وفي مقدونيا أنتيغونس الثاني ابن ديمتريوس الذي عرف
باسم غوناتاس Gonatas
▪︎ وفي مصر كان يجلس على العرش بطليموس الثانی المسمى فیلادلفوس ابن بطليموس الأول . (*18).
-----------------------------------------------------------------
(☆) *بتصرف : تاريخ مصر في عصري البطالمة و الرومان / د. أبو اليسر فرح كلية آداب عين شمس مصر / الطبعة الأولى / عين للدراسات.. ٢٠٠٢ / ص٤٢-٤٩ ..
------‐----------
* الإضافات :
(*1) عن بطليموس بشكل عام انظر : Walter M. Ellis,
Ptolemny of Egypt. London. New York
(*2) اعتمد عليها أريان في كتابه عن:
حملة الإسكندر(Anabasis)
(*3) عن موقف بطلبوم من پردیکاس راجع : لطفي عبد الوهاب المرجع السابق ، ص 116 - 117.
(*4) والبانك ص49
Walbank. op. cit. p. 49.
(*5) انظر : آیرس ہل : مصر من الإسكندر الأكبر حتي الفتح العربي.ترجمة عبد اللطيف أحمد علي بیروت 1988 ص2-3.
(*6) بومان
Bowman. A.K; Egypt after the Pharaobs. London. 1986. P. 22.
(*7) بريوكس
Preaux. C; op. cit. p. 130: Errington, R.M. From Babylom to Triparadeisos 323 - 320
B.C. J.H.S, 9, 1970. pp. 49.7
(*8) مصطفى العبادي : المرجع السابق ، ص 34 .
(*9) أوجيه Jouguet ، ص. 142.
(*10) أوجيه 147 Jouguet P
(*11) أوجيه Jouguet P 149
(*12) مصطفي العبادي : المرجع السابق ، ص 37.
(*13) والبانك
Walbank. op. cit. p 55.
(*14) قصة العالم الهلينستي
Rostovtzeff.M; The Social and Economic History of the Hellenstic World. Oxford,
1941, p. 15.
(*15) بريوكس Preaux C; op. citp. 133
(*16) أوجيه Joeguet .P; op. cit., p. 158
(*17) إبراهيم نصحي : المرجع السابق ج 1، ص79
(*18) بريوكس Preaux ص. 136
-----------------------------------------‐------------‐--------------
كل التفاعلات:
١١تعليق واحد
مشاركة واحدة
أعجبني
تعليق
مشاركة


إرسال تعليق