تاريخ الدولة العثمانية (17)
--------------------------------------------------------------------
🔸 محمد الفاتح يصلي في أيا صوفيا
-------------------------‐-------‐--------------------------‐-------
🔹 ملخص ما سبق :
عند الساعة الواحدة صباحا من يوم الثلاثاء 20 جمادى الأولى سنة 857هـ الموافق 29 مايو 1435م بدأ الهجوم العام على المدينة بعد أن أصدرت الأوامر للمجاهدين الذين علت أصواتهم بالتكبير وانطلقوا نحو الأسوار ، ...
وبعد أن انهكت الفرقة الاولى الهجومية كان السلطان قد أعد فرقة أخرى فسحب الأولى ووجه الفرقة الثانية ، وكان المدافعون قد أصابهم الإعياء ،
وبعد ساعتين من تلك المحاولات أصدر الفاتح أوامره للجنود لأخذ قسط من الراحة ، بعد أن أرهقوا المدافعين في تلك المنطقة ، وفي الوقت نفسه أصدر أمرا إلى قسم ثالث من المهاجمين بالهجوم على الأسوار من نفس المنطقة !!!
ومع بزوغ نور الصباح أصبح المهاجمون يستطيعون أن يحددوا مواقع العدو بدقة أكثر ، وشرعوا في مضاعفة جهودهم في الهجوم وكانوا في حماسة شديدة وحريصين على إنجاح الهجوم ،
ومع ذلك أصدر السلطان محمد الأوامر إلى جنوده بالإنسحاب لكي يتيحوا الفرصة للمدافع لتقوم بعملها مرة أخرى حيث أمطرت الأسوار والمدافعين عنها بوابل من القذائف ، واتعبتهم بعد سهرهم طوال الليل ،...
وبعد أن هدأت المدفعية جاء قسم جديد من شجعان الإنكشارية يقودهم السلطان بنفسه تغطيهم نبال وسهام المهاجمين التي لا تنقطع ...
أصيب قائد المدافعين جستنيان بجراح بليغة دفعته إلى الانسحاب من ساحة المعركة مما أثر في بقية المدافعين .
و تولى الإمبراطور قسطنطين قيادة المدافعين بنفسه محل جستنيان الذي ركب أحد السفن فارا من أرض المعركة ،.
وقد واصل العثمانيون هجومهم في ناحية اخرى من المدينة حتى تمكنوا من اقتحام الأسوار والاستيلاء على بعض الأبراج والقضاء على المدافعين في باب أدرنة ورفعت الاعلام العثمانية عليها،
👌وتدفق الجنود العثمانيون نحو المدينة من تلك المنطقة، ولما رأى قسطنطين الأعلام العثمانية ترفرف على الأبراج الشمالية للمدينة، أيقن بعدم جدوى الدفاع وخلع ملابسه حتى لايعرف ، ونزل عن حصانه وقاتل حتى قتل في ساحة المعركة ..
كان لانتشار خبر مصرع الإمبراطور دور كبير في زيادة حماس المجاهدين العثمانيين وسقوط عزائم النصارى المدافعين وتمكنت الجيوش العثمانية من دخول المدينة من مناطق مختلفة وفر المدافعون بعد مقتل قادتهم، .. (*1)
وهكذا تمكن المسلمون من الاستيلاء على المدينة 👍👍
--------------------------------------------------------------------
🔸 توجه محمد الفاتح الى كنيسة آيا صوفيا وقد اجتمع فيها خلق كبير من الناس ومعهم القسس والرهبان الذين كانوا يتلون عليهم صلواتهم وأدعيتهم، وعندما اقترب من أبوابها خاف النصارى داخلها خوفاً عظيماً، ..
وقام أحد الرهبان بفتح الأبواب له فطلب من الراهب تهدئة الناس وطمأنتهم والعودة الى بيوتهم بأمان، فأطمأن الناس وكان بعض الرهبان مختبئين في سراديب الكنيسة فلما رأوا تسامح الفاتح وعفوه خرجوا وأعلنوا إسلامهم،
وقد أمر الفاتح بعد ذلك بتحويل الكنيسة الى مسجد وأن يعد لهذا الأمر حتى تقام بها أول جمعة قادمة، وقد أخذ العمال يعدون لهذا الأمر ، فأزالوا الصلبان والتماثيل وطمسوا الصور بطبقة من الجير وعملوا منبراً للخطيب، وقد يجوز تحويل الكنيسة الى المسجد لأن البلد فتحت عنوة والعنوة لها حكمها في الشريعة الاسلامية.
وقد اعطى السلطان للنصارى حرية إقامة الشعائر الدينية واختيار رؤسائهم الدينين الذين لهم حق الحكم في القضايا المدنية، كما أعطى هذا الحق لرجال الكنيسة في الأقاليم الأخرى ولكنه في الوقت نفسه فرض الجزية على الجميع (*2).
😡 لقد حاول المؤرخ الأنجليزي ادوارد شيبردكريسي في كتابة "تاريخ العثمانيين الاتراك أن يشوه صوره الفتح العثماني للقسطنطينية ووصف السلطان محمد الفاتح بصفات قبيحة حقداً منه وبغضاً للفتح الاسلامي المجيد (*3)...
وسارت الموسوعة الأمريكية المطبوعة في عام 1980م في حمأة الحقد الصليبي ضد الاسلام ، فزعمت أن السلطان محمد قام باسترقاق غالبية نصارى القسطنطينية، وساقهم الى اسواق الرقيق في مدينة ادرنة حيث تم بيعهم هناك (*4).
👌 إن الحقيقة التاريخية الناصعة تقول أن السلطان محمد الفاتح عامل أهل القسطنطينية معاملة رحيمة وأمر جنوده بحسن معاملة الأسرى والرفق بهم، وافتدى عدداً كبيراً من الأسرى من ماله الخاص وخاصة أمراء اليونان، ورجال الدين ،
واجتمع مع الاساقفة وهدأ من روعهم ، وطمأنهم الى المحافظة على عقائدهم وشرائعهم وبيوت عبادتهم، وأمرهم بتنصيب بطريرك جديد فانتخبوا أجناديوس برطيركا،
وتوجه هذا البطريرك بعد انتخابه في موكب حافل من الاساقفة الى مقر السلطان، فاستقبله السلطان محمد الفاتح بحفاوة بالغة وأكرمه أيما تكريم، وتناول معه الطعام وتحدث معه في موضوعات شتى، دينية وسياسية واجتماعية وخرج البطريرك من لقاء السلطان،
وقد تغيرت فكرته تماماً على السلاطين العثمانيين وعن الأتراك، بل والمسلمين عامة، وشعر انه أمام سلطان مثقف صاحب رسالة وعقيدة دينية راسخة وانسانية رفيعة، ورجولة مكتملة ،...
ولم يكن الروم أنفسهم أقل تأثراً ودهشة من بطريقهم، فقد كانوا يتصورون أن القتل العام لابد لاحقهم، فلم تمض أيام قليلة حتى كان الناس يستأنفون حياتهم المدنية العادية في اطمئنان وسلام (*5).
كان العثمانيون حريصون على الالتزام بقواعد الاسلام، ولذلك كان العدل بين الناس من أهم الأمور التي حرصوا عليها، وكانت معاملتهم للنصارى خالية من أي شكل من أشكال التعصب والظلم ، ولم يخطر ببال العثمانيين أن يضطهدوا النصارى بسبب دينهم (*6).
إن ملل النصارى تحت الحكم العثماني تحصلت على كافة حقوقها الدينية ، وأصبح لكل ملة رئيس ديني لا يخاطب غير حكومة السلطان ذاتها مباشرة، ولكل ملة من هذه الملل مدارسها الخاصة وأماكن للعبادة والأديرة، كما أنه كان لايتدخل أحد في ماليتها وكانت تطلق لهم الحرية في تكلم اللغة التي يريدونها (*7).
إن السلطان محمد الفاتح لم يظهر ما أظهره من التسامح مع نصارى القسطنطينية إلا بدافع إلتزامه الصادق بالإسلام العظيم، وتأسياً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم ، ثم بخلفائه الراشدين من بعده، الذين أمتلأت صحائف تاريخهم بمواقف التسامح الكريم مع أعدائهم (*8).
--------------------------------------------------------------------
🔹 أثر فتح القسطنطينية على العالم الأوروبي والإسلامي
كانت القسطنطينية قبل فتحها عقبة كبيرة في وجه انتشار الاسلام في اوروبا ولذلك فإن سقوطها يعني فتح الباب لدخول الاسلام أوروبا بقوة أكثر من ذي قبل ،
ويعتبر فتح القسطنطينية من أهم أحداث التاريخ العالمي، وخصوصاً تاريخ أوروبا وعلاقتها بالإسلام حتى عده المؤرخون الأوروبيون ومن تابعهم نهاية العصور الوسطى وبداية العصور الحديثة (*9).
وقد عمل السلطان بعد ذلك على ترتيب مختلف الأمور في المدينة، وإعادة تحصينها، واتخذها عاصمة للدولة العثمانية وأطلق عليها لقب اسلام بول أي مدينة الاسلام (*10).
لقد تأثر الغرب النصراني بنبأ هذا الفتح، وانتاب النصارى شعور بالفزع والالم والخزي ، وتجسم لهم خطر جيوش الاسلام القادمة من استنبول ، ...
وبذل الشعراء والادباء ما في وسعهم لتأجيج نار الحقد وبراكين الغضب في نفوس النصارى ضد المسلمين ، ...
وعقد الامراء والملوك اجتماعات طويلة ومستمرة وتنادى النصارى الى نبذ الخلافات والحزازيات وكان البابا نيقولا الخامس أشد الناس تأثراً بنبأ سقوط القسطنطينية، وعمل جهده وصرف وقته في توحيد الدول الايطالية وتشجيعها على قتال المسلمين،..
وترأس ذلك البابا مؤتمراً عقد في روما أعلنت فيه الدول المشتركة عن عزمها على التعاون فيما بينها وتوجيه جميع جهودها وقوتها ضد العدو المشترك...
وأوشك هذا الحلف أن يتم إلا أن الموت عاجل البابا بسبب الصدمة العنيفة الناشئة عن سقوط القسطنطينية في يد العثمانيين والتي تسببت في همه وحزنه فمات كمداً في 25 مارس سنة 1455م (*11).
--------
تحمس الأمير فيليب الطيب دوق بورجونديا والتهب حماساً وحمية واستنفر ملوك النصارى الى قتال المسلمين وحذا حذوه البارونات والفرسان المتحمسون والمتعصبون للنصرانية، وتحولت فكرة قتال المسلمين الى عقيدة مقدسة تدفعهم لغزو بلادهم ،
وتزعمت البابوية في روما حروب النصارى ضد المسلمين وكان السلطان محمد الفاتح بالمرصاد لكل تحركات النصارى، وخطط ونفذ مارآه مناسباً لتقوية دولته وتدمير أعدائه،...
واضطر النصارى الذين كانوا يجاورون السلطان محمد أو يتاخمون حدوده ففي آماسيا، وبلاد المورة ، طرابيزون وغيرهم أن يكتموا شعورهم الحقيقي، فتظاهروا بالفرح وبعثوا وفودهم الى السلطان في أدرنة لتهنئته على انتصاره العظيم (*12).
وحاول البابا الجديد بيوس الثاني بكل ما أوتي من مقدرة خطابية ، وحنكة سياسية، تأجيج الحقد الصليبي في نفوس النصارى شعوباً وملوكاً، قادة وجنوداً ؛ واستعدت بعض الدول لتحقيق فكرة البابا الهادفة للقضاء على العثمانيين ..
ولما حان وقت النفير اعتذرت دول أوروبا بسبب متاعبها الداخلية، فلقد انهكت حرب المائة عام انكلتر وفرنسا، كما أن بريطانيا كانت منهمكة في مشاغلها الدستورية وحروبها الأهلية،
وأما أسبانيا فهي مشغولة بالقضاء على مسلمي الأندلس وأما الجمهوريات الايطالية فكانت تهتم بتوطيد علاقاتها بالدولة العثمانية مكرهة وحباً في المال ، فكانت تهتم بعلاقتها مع الدولة العثمانية.
وانتهى مشروع الحملة الصليبية بموت زعيمها البابا نيقولا الخامس واصبحت المجر والبندقية تواجهان الدولة العثمانية لوحدهما؛ أما البندقية فعقدت معاهدة صداقة وحسن جوار مع العثمانيين رعاية لمصالحها ...
وأما المجر فقد انهزمت أمام الجيوش العثمانية واستطاع العثمانيون أن يضموا الى دولتهم بلاد الصرب، واليونان والافلاق والقرم والجزر الرئيسية في الأرخبيل.
وقد تم ذلك في فترة قصيرة ، حيث داهمهم السلطان الفاتح، وشتت شملهم ، واخذهم أخذاً عظيماً (*13).
وحاول البابا (بيوس الثاني) بكل ما أوتي من مهارة وقدرة سياسية تركيز جهوده في ناحيتين اثنتين :
▪ حاول أولاً أن يقنع الاتراك باعتناق الدين النصراني، ولم يقم بارسال بعثات تبشيرية لذلك الغرض وانما اقتصر على ارسال خطاب الى السلطان محمد الفاتح يطلب منه أن يعضد النصرانية، كما عضدها قبله قسطنطين وكلوفيس ووعده بأنه سيكفر عنه خطاياه ان هو اعتنق النصرانية مخلصاً، ووعده بمنحه بركته واحتضانه ومنحه صكاً بدخول الجنة.
▪ ولما فشل البابا في خطته هذه لجأ الى الخطة الثانية خطة التهديد والوعيد واستعمال القوة، وكانت نتائج هذه الخطة الثانية قد بدأ فشلها مسبقاً بهزيمة الجيوش الصليبية والقضاء على الحملة التي قادها هونياد المجري (*14).
---‐-----------
🔹 وأما آثار هذا الفتح المبين في المشرق الاسلامي - فنقول لقد عم الفرح والابتهاج المسلمين في ربوع آسيا وأفريقيا فقد كان هذا الفتح حلم الأجداد وأمل الاجيال ، ولقد تطلعت له طويلاً وهاقد تحقق..
أرسل السلطان محمد الفاتح رسائل الى حكام الديار الاسلامية في مصر والحجاز وبلاد فارس والهند وغيرها؛ يخبرهم بهذا النصر الاسلامي العظيم- ..
وأذيعت أنباء الانتصار من فوق المنابر، وأقيمت صلوات الشكر، وزينت المنازل والحوانيت وعلقت على الجدران والحوائط والاعلام والأقمشة المزركشة بألوانها المختلفة (*15).
يقول ابن إياس صاحب كتاب (بدائع الزهور) في هذه الواقعة :
(فلما بلغ ذلك ، ووصل وفد الفاتح، دقت البشائر بالقلعة، ونودي في القاهرة بالزينة، ثم أن السلطان عين برسباي أمير آخور ثاني رسولاً الى ابن عثمان يهنئه بهذا الفتح) (*16).
وهذا ابن تغري بردي يصف شعور الناس وحالهم في القاهرة عندما وصل إليها وفد الفاتح ومعهم الهدايا واسيران من عظماء الروم، قال :
" قلت ولله الحمد والمنة على هذا الفتح العظيم وجاء القاصد المذكور ومعه اسيران من عظماء اسطنبول وطلع بهما الى السلطان (سلطان مصر إينال) وهما من أهل القسطنطينية وهي الكنيسة العظيمة باسطنبول فسر السلطان والناس قاطبة بهذا الفتح العظيم ودقت البشائر لذلك وزينت القاهرة بسبب ذلك أياماً....
ثم طلع القاصد المذكور وبين يديه الأسيران الى القلعة في يوم الاثنين خامس وعشرين شوال بعد أن اجتار القاصد المذكور ورفقته بشوارع القاهرة. وقد احتفلت الناس بزينة الحوانيت والأماكن وأمعنوا في ذلك الى الغاية وعمل السلطان الخدمة بالحوش السلطاني من قلعة الجبل..) (*17).
وهذا الذي ذكره ابن تغري بردي من وصف احتفال الناس وأفراحهم في القاهرة بفتح القسطنطينية ماهو إلا صورة لنظائر لها قامت في كل البلاد الاسلامية الاخرى.
وقد بعث السلطان محمد الفاتح برسائل الفتح الى سلطان مصر وشاه ايران وشريف مكة وأمير القرمان، كما بعث بمثل هذه الرسائل الى الأمراء المسيحيين المجاورين له في المورة والأفلاق والمجر والبوسنة وصربيا وألبانيا والى جميع أطراف مملكته (*18).
------------
مقتطفات من رسالة الفاتح الى سلطان مصر الأشرف إينال وهي من إنشاء الشيخ أحمد الكوراني :
[... إن من أحسن سنن أسلافنا رحمهم الله تعالى أنهم مجاهدون في سبيل الله ولايخافون لومة لائم ونحن على تلك السنة قائمون وعلى تيك الأمنية دائمون ممتثلين بقوله تعالى : {قاتلوا الذين لايؤمنون بالله}،...ومستمسكين بقوله عليه السلام: (من أغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار) ....
فهممنا في هذا العام عممه الله بالبركة والإنعام ..إلى أداء فرض الغزاة في الاسلام مؤتمرين بأمره تعالى:{قاتلوا الذين يلونكم من الكفار...} ....
وجهزنا عساكر الغزاة والمجاهدين من البر والبحر لفتح مدينة ملئت فجوراً وكفراً التي بقيت وسط الممالك الاسلامية تباهي بكفرها فخراً .
فكأنها حصف على الخد الأغر
وكأنها كلف على وجه القمر
......... هذه المدينة الواقع جانب منها في البحر وجانب منها في البر، فأعددنا لها كما أمرنا الله بقوله : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة .. } كل أهبة يعتد بها وجميع أسلحة يعتمد عليها من البرق والرعد والمنجنيق والنقب والجحور وغيرها من جانب البر والفلك المشحون والجوار المنشآت في البحر كالأعلام من جانب البحر....
ونزلنا عليها في السادس والعشرين من ربيع الأول من شهور سنة سبع وخمسين وثمانمائة .
فقلت للنفس جدي الآن فاجتهدي
وساعديني فهذا ما تمنيت
فكلما دعوا إلى الحق أصروا واستكبروا وكانوا من الكافرين فأحطنا بها محاصرة وحاربناهم وحاربونا وقاتلناهم وقاتلونا وجرى بيننا وبينهم القتال أربعة وخمسين يوماً وليلة
إذا جاء نصر الله والفتح هين
على المرء معسور الأمور وصعبها
فمتى طلع الصبح الصادق من يوم الثلاثاء يوم العشرين من جمادي الأولى هجمنا مثل النجوم رجوماً لجنود الشياطين سخرها الحكم الصديقي ببركة العدل الفاروقي بالضرب الحيدري لآل عثمان قد من الله بالفتح قبل أن ظهرت الشمس من مشرقها ..
{ سيهزم الجمع ويولون الدبر، بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر }،..
وأول من قتل وقطع رأسه تكفورهم اللعين الكنود فأهلكوا كقوم عاد وثمود فحفظهم ملائكة العذاب فأوردهم النار وبئس المآب ...
فقتل من قتل وأسر من به بقى وأغاروا على خزاينهم وأخرجوا كنوزهم ودفافينهم موفوراً فأتى عليهم حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين ....
فيومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، فلما ظهرنا على هؤلاء الأرجاس الأنجاس الحلوس طهرنا القوس من القسوس وأخرجنا منه الصليب والناقوس وصيرنا معابد عبدة الأصنام مساجد أهل الإسلام وتشرفت تلك الخطة بشرف السكة والخطبة فوقع أمر الله وبطل ما كانوا يعملون......](*19).
-------------
وقد رد سلطان مصر على خطاب السلطان محمد الفاتح وهداياه بمقطوعة من النثر الأدبي الرفيع وجاءت فيها بعض الأبيات الشعرية المعبرة مثل قول الشاعر:
خطبتها بكراً وما أمهرتها
إلا قنا و قواضباً و فوارسا
من كانت السمر العوالي مهره
جلبت له بيض الحصون عرايسا
الله أكبر ما جنيت ثمارها
إلا وكان أبوك قبلك غارسا (*20)
-------------
🔹 رسالة السلطان محمد الفاتح إلى شريف مكة وهذه بعض فقراتها :
[ ... فقد أرسلنا هذا الكتاب مبشراً بما رزق الله لنا في هذه السنة من الفتوح التي لا عين رأت ولا أذن سمعت، وهي تسخير البلدة المشهورة بالقسطنطينية، ...
فالمأمول من مقر عزكم الشريف أن يبشر بقدوم هذه المسرة العظمى والموهبة الكبرى، مع سكان الحرمين الشريفين، والعلماء والسادات المهتدين، والزهاد والعباد الصالحين، والمشايخ، والأمجاد الواصلين، والأئمة الخيار المتقين، والصغار والكبار أجمعين، ...
والمتمسكين بأذيال سرادقات بيت الله الحرام، التي كالعروة الوثقى لا انفصام لها والمشرفين بزمزم والمقام، والمعتكفين في قرب جوار رسول الله عليه التحية والسلام داعين لدوام دولتنا في العرفات، متضرعين من الله نصرتنا، أفاض علينا بركاتهم ورفع درجاتهم،..
وبعثنا مع المشار اليه هدية لكم خاصة ألفي فلوري من الذهب الخالص التام الوزن والعيار المأخوذ من تلك الغنيمة، وسبعة آلاف فلوري أخرى للفقراء، منها ألفان للسادات والنقباء، وألف للخدام المخصوصين للحرمين، والباقي للمساكين المحتاجين في مكة والمدينة المنورة، زادهما الله شرفاً،
فالمرجو منكم التقسيم بينهم بمقتضى احتياجهم وفقرهم، وإشعار كيفية السير إلينا، وتحصيل الدعاء منهم لنا، دائماً باللطف والإحسان إن شاء الله تعالى، والله يحفظكم ويبقيكم بالسعادة الأبدية والسيادة السرمدية إلى يوم الدين .. ](*21)
وقد رد شريف مكة على رسالة السلطان محمد الفاتح :
( ..وفتحناها بكمال الأدب، وقرأناها مقابل الكعبة المعظمة بين أهل الحجاز وأبناء العرب فرأينا فيها من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين، وشاهدنا من فحاويها ظهور معجزة رسول الله خاتم النبيين وماهي إلا فتح " القسطنطينية " العظمى وتوابعها التي متانة حصنها مشهورة بين الأنام، وحصانة سورها معروفة عند الخواص والعوام....
وحمدنا الله بتيسير ذلك الأمر العسير وتحصيل ذلك المهم الخطير، وبششنا ذلك غاية البشاشة، وابتهجنا من إحياء مراسم آبائكم العظام والسلوك مسالك أجدادكم الكرام، روّح الله أرواحهم، وجعل أعلى غرف الجنان مكانهم، في إظهار المحبة لسكان الأراضي المقدسة ...(*22) --------------------------------------------------------------------
(*1) انظر: محمد الفاتح، ص139. ، ص131.و الفتوح الاسلامية عبر العصور، ص383.
---------
(*2) الفتوح الإسلامية عبر العصور ص384.
(*3) انظر: جوانب مضيئة ، ص265.
(*4) المصدر السابق نفسه، ص267.
(*5) انظر: السلطان محمد الفاتح، ص134،135.
(*6) انظر: جوانب مضيئة ، ص274.
(*7) المصدر السابق نفسه، ص283.
(*8) المصدر السابق نفسه، ص287
--------
(*9) انظر : تاريخ الدولة العثمانية ، يلماز أوزتونا، ص384.
(*10) انظر: تاريخ الدولة العلية، محمد فريد بك، ص164.
(*11) انظر: السلطان محمد الفاتح ، ص136،137.
(*12) المصدر السابق نفسه، ص140.
(*13) انظر: السلطان محمد الفاتح، ص140.
(*14) انظر: السلطان محمد الفاتح، ص141.
--------
(*15) المصدر السابق نفسه، ص142.
(*16) المصدر السابق نفسه، ص142.
(*17) النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة (16/71).
(*18) انظر: محمد الفاتح، ص142
--------
(*19) محمد الفاتح، ص163 الى 167.
(*20) محمد الفاتح ، ص175.
(*21) الدولة العثمانية ، الدكتور جمال عبدالهادي ، ص47.
(*22) المصدر السابق نفسه، ص48.
☆ الدولة العثمانية عوامل النهوض وأسباب السقوط الصلابي ص 180- 203
--------------------------------------------------------------------
تابعوا#تاريخ_الدولة_العثمانية_جواهر (17)

إرسال تعليق