تاريخ التتار الأول (33)
إمبراطورية جنكيز خان
--------------------------------------
كانت معركة عين جالوت واحدة من أكثر المعارك حسمًا في التاريخ، أنقذت العالم الإسلامي من خطر داهم لم يواجه بمثله من قبل، وأنقذت حضارته من الضياع والانهيار، وحمت العالم الأوروبي أيضًا من شر لم يكن لأحد من ملوك أوروبا وقتئذ أن يدفعه.
وكان هذا النصر إيذانًا بخلاص الشام من أيدي المغول؛ إذ أسرع ولاة المغول في الشام بالهرب،
لقد كان يوما من أيام الله الخالدة حيث أظهر الله دينه على الدين كله؛ و أعز جنده و شفى صدور المؤمنين بثأر جزل من التتار القتلة المجرمين .. فله عز وجل الفضل و الحمد و المنة .
ويقول د. راغب السرجاني لقد فني جيش التتار بكامله !
وانتهت أسطورة التتار في موقعة عين جالوت موقعة اليوم الواحد..وبعد عين جالوت اختفى ذكر التتار من التاريخ في هذه المنطقة...
"وقيل بعدا للقوم الكافرين"
------------------------------------------------------------------
لم تنته مهمة الملك المظفر قطز بعد ؛ فما زال التتار هناك في دمشق، وحمص وحلب وغيرها من المدن الشامية..
كانت دمشق هي أولى المحطات الإسلامية التي تقع تحت سيطرة التتار، وهي تقع على مسافة مائة وخمسين كيلو متراً تقريباً من عين جالوت إلى الشمال الشرقي منها،
قبل وصوله إلى دمشق أرسل قطز رسالة عظيمة تحمل بشريات النصر الكبير وكان مما جاء في هذه الرسالة :
وهذه عساكر الإسلام مستوطنة في مواطنها ما تزلزل لمؤمن قدم إلا وقدم إيمانه راسخة ولا تثبت لأحد حجة إلا وكانت الجمعة ناسخة ولا عقدت برجمة ناقوس إلا وحلها الآذان ولا نطق كتاب إلا وأخرسه القرآن ..
ولم تزل أخبار المسلمين تنتقل إلى الكفار، وأخبار الكفار تنتقل إلى المسلمين، إلى أن خلط الصباح فضته بذهب الاصيل، وصار اليوم كأمس ونُسخت آية الليل بسورة الشمس إلى أن تراءت العين بالعين واضرمت نار الحرب بين الفريقين، ...
فلم تر إلا ضرباً يجعل البرق نضوا ويترك في بطن كل من المشركين شلوا، وقتل من المشركين كل جبار عنيد، ذلك بما قدمت أيديهم(وما ربك بظلام للعبيد).》
وصل الخبر لأهالي دمشق قال ابن كثير :
《 واتبع الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب وهرب من بدمشق منهم ....
وكان هربهم منها يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان صبيحة النصر الذي جاءت فيه البشارة بالنصر على عين جالوت فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون ويأسرون وينهبون الاموال فيهم ويستفكون الاسارى من أيديهم قهراً
ولله الحمد والمنن على جبره الإسلام ومعاملته إياهم بلطفه الحسن، وجاءت بذلك البشارة السارة، فجاوبتها البشائر من القلعة المصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر الله فرحاً شديداً، وأيد الله الإسلام وأهله تأييداً وكُبت أعداء الله النصارى واليهود والمنافقون وظهر دين الله وهم كارهون...
ونصر الله دينه ونبيه ولو كره الكافرون، فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب》...
(* يشير هنا إلى يوم دخول التتار دمشق و فرحة النصارى وتطاولهم على المسلمين حيث خرجوا بالصليب و طافوا المدينه يأمرون الناس بالإنحناء له وتعظيمه و من لا يفعل ضربوه وجلدوه)
ويقول ابن كثير : (*دخل المسلمون تلك الكنيسة)
《 فانتهبوا ما فيها، وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها، فأحترقت دور كثيرة للنصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم ناراً، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة، ....
وهمت طائفة بنهب اليهود، فقيل لهم : إنهم لم يكن منهم فيما ظهر من الطغيان، كما كان من عبدة الصُلبان، ....
وقتلت العامة في وسط الجامع شيخاً رافضياً، كان مصانعاً للتتارعلى اموال الناس يقال له الفخر محمد بن يوسف الكنجي، كان خبيث الطوية ممالئاً لهم على أموال المسلمين
وقتلوا جماعة مثله من المنافقين الممالئين على المسلمين "فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين" 》 الأنعام:45 .
------------------------------------------------------------------
في اليوم الثلاثين من رمضان سنة 658هـ وصل البطل سيف الدين قطز إلى دمشق واستقبله الناس استقبال الفاتحين، وعلقت الزينات في الشوارع، وخرج الرجال والنساء والاطفال، يستقبلون البطل المظفر وهذه هي الفرحة الحقيقية ...
قال تعالى :"
قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" يونس:58
ففرحة النصر لدين الله والرفعة للإسلام والعزة للمسلمين لا تقارن هذه الفرحة بفرحة الطعام والشراب والمال والجاه والسلطان، ...
ودخل الجيش المملوكي المسلم دمشق واستتب الأمن الحقيقي بسرعة عجيبة، لم يحدث شيء مما يقع عند دخول المستعمرين البلاد واستقر الوضع بسرعة وحفظت الاعراض والنفوس والاموال لكل الساكنين من نصارى ويهود 
وقام قطز بعزل ابن الزكي قاضي دمشق الذي عينه التتار وكان مواليا لهم، وعين مكانه نجم الدين أبا بكر بن صدر الدين بن سني الدولة وبدأ يفصل في القضايا، ويحكم في المخالفات التي تمت بين المسلمين والنصارى حتى لا يظلم نصراني في بلاد المسلمين،
قال تعالى :
"وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم" التوبة:40.
لم يضيع قطز وقتاً بل ارسل مقدمة جيشه بقيادة بيبرس تتبع الفارين من التتار وتطهر مدن الشام الأخرى من الحاميات التتارية ، وطارد المغول في أعالي بلاد الشام حتى لحق بهم في حمص،....
وفر المغول بحياتهم وألقوا ما كان معهم من متاع وغيره، وأطلقوا الاسرى وعرّجوا نحو طريق الساحل، فتخطف المسلمون منهم وقتلوا خلقاً كثيراً وأسروا أكثر، فلما بلغ هولاكو كسرة عسكره وقتل نائبه كتبغا عظم عليه، فإنه لم يكسر له عسكر قبل ذلك ورحل من يومه .
واستطاع المسلمون تطهير بلاد الشام بكاملها في بضعة أسابيع وأعلن قطز توحيد مصر والشام من جديد في دولة واحدة تحت زعامته، بعد عشر سنوات من الفرقة وذلك منذ وفاة الملك الصالح نجم الدين أيوب ـ رحمه الله ـ في سنة 648هـ....
وخُطب لقطز على المنابر في كل المدن المصرية والفلسطينية والشامية حتى خطب له في أعالي بلاد الشام والمدن حول نهر الفرات وعاش المسلمون أياماً من أسعد أيامهم .

------------------------------------------------------------------
شرع السلطان سيف الدين قطز فى ترتيب أحوال الشام بسرعة حتى يتمكن من العودة إلى مصر، فأقطع الأمراء الصالحية والمعزية وأصحابه إقطاعات الشام وجعل نائبه على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي ومعه الأمير أبو الهيجاء بن عيسى بن خشتر الأزكشي الكردي ،
وأعاد ملوك الأيوبيين أصحاب العروش الصغيرة إلى عروشهم ملوكاً تابعين لسلطان مصر المملوكي...
وبعث إليه الاشرف موسى، حاكم حمص، والذي كان هولاكو قد عينه نائباً له في حكمها وفي بلاد الشام، يطلب الأمان، فاستجاب قطز وأمّنه على عرشه ...
كذلك بعث بالملك المظفر علاء الدين علي بن بدر الدين لؤلؤ صاحب سنجار ليكون نائباً للسلطان في مدينة حلب ووزع الإقطاعات في المناطق الريفية المحيطة بحلب على الأمراء الموالين له، ....
كذلك قام سيف الدين قطز ببعض التعديلات الإدارية البسيطة في بلاد الشام، فأقر الملك المنصور على حماه وبارين وأعاد له المعرّة التي كانت بيد حكام حلب منذ سنة 635هـ ... ومن ناحية أخرى، أخذ منه سلمية وأعطاها الأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب ...
وعين الأمير شمس الدين آقوش البرلي العزيزي أميراً بالساحل وغزة ومعه عدد من أمراء العزيزية وكان هذا الأمير قد فارق الناصر يوسف، صاحب دمشق وحلب، وانضم إلى قوات السلطان قطز في القاهرة، ....
ثم خرج في جيش السلطان وحارب معه في عين جالوت، وأمر بشنق حسين الكردي الطبرادار، فشنق من أجل أنه دل على الملك الناصر .
وفي اليوم السادس والعشرين من شوال 658هـ توجه السلطان سيف الدين قطز بجيشه الظافر صوب مصر، وبينما كانت القاهرة تتزين لاستقبال القائد المنتصر كان أجل سيف الدين قطز قد حان واقترب الرحيل من هذه الحياة وسيأتي الحديث عن ذلك مفصلاً بإذن الله تعالى.
------------------------------------------------------------------
رغم أن هذه الهزيمة لم تلحق بشخص هولاكو نفسه فإن تلك الهزيمة الثقيلة التي مني بها جيشه وقتل فيها قائده الكبير كيتوبوقا (*كتبغا)، تعد صدمة عنيفة هزت كيانه وهو بعيد عن مسرح الحوادث، ...
فتأثر هولاكو جدا لذلك وحاول أن يمحو ذلك العار الذي لحق بجيوشه بارسال حملة جديدة إلى الشام، في محاولة يائسة للانتقام من المسلمين، غير أن الظروف في ذلك الوقت لم تمكنه من ذلك ،.....
إذ لم يستطع التقدم غرباً لمساعدة جيوشه المهزومة في عين جالوت لانشغاله في حروبه مع منافسيه من أهل بيته وعلى رأسهم ابن عمه زعيم القبيلة الذهبية،
واكتفى هولاكو بأن عمل على مراسلة الخان الاعظم في قراقورم أخبره بما حل بالمغول في بلاد الشام من هزيمة على يد سلطان مصر، فما كان من الخان الاعظم إلا أن اصدر مرسوماً يقضي بإعطاء هولاكو البلاد الواقعة بين نهر جيحون حتى بلاد الشام، قاصدأ بذلك ـ على ما يبدو ـ رفع معنويات هولاكو وجيوشه وتشجيعه على معاودة حرب المماليك،....
وبدأ هولاكو يستعد لحرب المسلمين، لكن الموت عاجله في سنة 663هـ /1265م فتوفي دون أن يحقق حلمه بضم مصر والشام إلى ممتلكاته .(*لعنه الله)
------------------------------------------------------------------
نظم شهاب الدين محمود قصيدة مدح فيها الأمير الظاهر بيبرس بسبب انتصار المسلمين في عين جالوت فقال :
سر حيث شئت لك المهيمن جار
واحكم فطوع مرادك الاقدار
لم يبق للدين الذي أظهرته
يارُكنه ؛ عند الأعادي ثارُ
لما تراقصت الرؤوس وحركت
من مطربات قسّيك الأوتار
حملتك أمواج الفرات ومن رأى
بحرا سواك تقله الأنهار
وتقطعت فرقاً ولم يكطودها
إذ ذاك إلا جيشك الجرار
رشّت دماؤهم الصعيد فلم يطر
منهم على الجيش السعيد غبار
شكرت مساعيك المعاقل والورى
والتُربُ والآساد والاطيار
هذي منعت وهؤلاء حميتهم
وسقيت تلك ؛ وعم ّ ذا الإيسارُ
فلأملأن الدهر فيك مدائحاً
تبقى بقيت وتذهب الاعصارُ
وقال شرف الدين الانصاري من قصيدة يمدح فيها الملك المنصور الثاني الايوبي صاحب حماه الذي كان مع جنده إلى جانب المظفر قطز في معركة عين جالوت:
رُعت العدى فضمنت شل عروشها
ولقيتها فأخذت فلّ جيوشها
نازلت أملاك التتار فأنزلت
عن فحلها قسراً وعن إكديشها
روّيت أكباد القنا بدمائهم
لما أطال سواك في تعطيشها
أقدمت مقتحماً على نُشّابها
تكسو الجياد رِياشها من ريشها
وطويت عن مصر فسيح مراحل
ما بين بركتها وبين عريشها
حتى حفظت على العباد بلادها
من رُومها الاقصى إلى أُحبوشها
وقال بعض الشعراء في عين جالوت :
هلك الكفر في الشام جميعاً
واستجد الإسلام بعد دحوضه
بالمليك المظفر الملك الاروع
سيف الإسلام عند نهوضه
ملك جاء بعزم وحزم
فاعتززنا بسمره وبيضه
أوجب الله شكر ذاك علينا
دائماً مثل واجبات فروضه
------------------------------------------------------------------
(*سنذكر هنا ما أورده الدكتور علي الصلابي من حيث استقر رأيه على أن قاتل قطز هو بيبرس و أن السبب الأرجح هو الخلاف القديم بين المماليك المعزية " *التابعة لعز الدين أيبك " والمماليك البحرية ومنهم بيبرس و مقتل معلمه فارس الدين أقطاي .
إلا أن هناك رأي آخر جدير بالذكر أورده الدكتور راغب السرجاني حيث استبعد بيبرس وتلخص كلامه في أن قاتل قطز مجهول لكن قد يكون بتدبير أعدائه الكثيرين وهم كما قال التتار الموتورون والصليبيون الخائفون و الأيوبيون الذين فقدوا ملك مصر والشام وطوائف الشيعة الباطنية الذين فقدوا ميزاتهم برحيل التتار ... عموما سنعرضه في الفقرة القادمة إن شاء الله ....*جواهر)
---------------------
كان لانتصار قطز في عين جالوت أجمل الوقع ـ على العالم الإسلامي ـ وخصوصاً مصر فقد استعدت لاستقباله، ودقت البشائر بالقلعة وأقيمت الزينات بالقاهرة وأخذت البلاد تنتظر قدوم المظفر سيف الدين قطز ، ...
وعندما وصل السلطان إلى بلدة القصير ، بقي السلطان بهذه البلدة مع عدد من خواصه، على حين رحل بقية الجيش إلى الصالحية، بإقليم الشرقية بمصر وهناك أقيم الدهليز السلطاني(الخيمة السلطانية)،...
وفي الوقت نفسه بلغت توتر العلاقات بين سيف الدين قطز، وبين ركن الدين بيبرس، وتجدد الخلاف القديم، وأخذ كل واحد منهم حذره وحيطته، وبات الغريمان يتربص كل منهما بالآخر، ولكن بيبرس البندقداري بما عرف عنه من جسارة ودهاء بادر إلى العمل ضد السلطان ، ....
فاتفق مع الأمير سيف الدين بلبان الرشيدي، والأمير سيف الدين بهادر المعزي، والأمير بدر الدين بكتوت الجُكنداري المعزي، والأمير سيف الدين بيدغان الرٌكني، والأمير سيف الدين بلبان الهاروني، والأمير بدر الدين أنس الأصبهاني،..
فلما قرب إلى القصير بين الغرابي والصالحية، انحرف عن الدرب للصيد، فلما قضى وطره ، عاد قاصداً إلى الدهليز، سايره الأمير ركن الدين وأصحابه وطلب منه إمرأة من سبي التتار فأنعم له بها فأخذ الظاهر يده ليقبلها،...
وكانت تلك إشارة بينه وبين من اتفق معه، فلما رأوه قد قبض على يده، بادره الأمير بدر الدين بكتوت وضربه بالسيف على عاتقه، فأبانه، ثم اختطفه الأمير بدر الدين أنس والقاه عن فرسه، ثم رماه الأمير بهادر المعزي بسهم أتى على روحه،
وقيل إن أول من ضربه الأمير ركن الدين بيبرس وهو الصحيح، وذلك يوم السبت الخامس عشر من ذي القعدة، ثم ساروا إلى الدهليز للمشورة بينهم على من يملكوه ويسلموا إليه قيادتهم، فوقع اتفاقهم على الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، .....
فتقدم الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، المعروف بالأتابك ، فبايعه وحلف له،ثم بلبان الرشيدي ثم الأمراء على طبقاتهم، ولقب بالملك الظاهر، ثم في الساعة الراهنة قال الأمير فارس الدين أقطاي الأتابك له :لا يتم الملك إلا بدخولك إلى قلعة الجبل، ....
فركب هو والأمير فارس الدين والأمير بدر الدين بيسري وبلبان الرشيدي وقلاوون الالفي وبيليك الخازندار وجماعة من خواصه، وقصدوا القلعة، فلقي في طريقه الأمير عز الدين أيدمر الحلبي نائب السلطنة عند الملك المظفر،..
وكان خارجا للقاء استاذه قطز، فأعلموه بصورة الحال وحلّفوه فحلف وتقدم بين يديه إلى القلعة، فلم يزل على بابها ينتظره حتى وصل إليها فدخلها وتسلمها، وكانت القاهرة قد تزينت لقدوم الملك المظفر، والناس في فرح وسرور بعوده وكسر التتار، ....
فلما أسفر الصبح وطلع النهار وإذا مناد ينادي: معاشر الناس ترحموا على الملك المظفر وادعوا لسلطانكم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس .
------------------------------------------------------------------
تنوعت روايات المؤرخين المعاصرين حول الأسباب التي أدت إلى مقتل سيف الدين قطز، ونحاول أن نناقش هذه الأسباب ونبين الأقوى منها:
● أ ـ يقول ابن أيبك الدواداري :
وحكى لي والدي ـ عن مخدومه سيف الدين بلبان الدوادار الرومي قال: إن يوم المصاف هربت جماعة من الأمراء من خشداشية الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، فلما انتصر الإسلام، تنمر عليهم السلطان المظفر ووبخهم، وشتمهم، وتوعدهم، فأضمروا له السوء، وحصلت الوحشة منذ ذلك اليوم،...
ولم تزل الاحقاد والضغائن تتراءى في صفحات الوجوه وغمزات العيون، وكل منهم يترقب من صاحبه الفرصة .
● ب ـ أما المؤرخ تقي الدين المقريزي فيقول :
أن سبب ذلك أن الأمير ركن الدين بيبرس طلب من السلطان المظفر قطز أن يوليه نيابة حلب، فلم يرض، فأضمرها في نفسه، ليقضي الله أمراً كان مفعولا .
● ج ـ أما بيبرس الدواداري : وهو أقربهم إلى الاحداث فيقول: وذلك أنه (قطز) رحل من دمشق عائد إلى الديار المصرية وفي نفوس البحرية منه ومن استاذه ما فيها لقتلهما الفارس اقطاي، واستبدادهما بالملك وإلجائهم إلى الهرب والهجاج، والتنقل في الفجاج، .....
إلى غير ذلك من أنواع الهوان التي قاسوها، والمشقات التي لبسوها، وإنما إنحازوا إليه لما تعذر عليهم المقام بالشام، والتناصر على صيانة الإسلام لا لأنهم أخلصوا له الولاء، أو رضوا له الاستيلاء.
وقد بنيت المرعى على دمن الثرى
وتبقى حزازات النفوس كما هي
● وقد رجح الدكتور قاسم عبده قاسم السبب الذي ذكره المؤرخ بيبرس الدواداري واعتبره السبب الرئيسي لما حدث، فقد كان سيف الدين قطز أكبر مماليك السلطان عز الدين أيبك، وكان من أهم الذين شاركوا في قتل فارس الدين أقطاي، ومطاردة المماليك البحرية من خشداشية،...
كما أن البحرية عاشوا سنوات منفين في بلاد الشام، ولم يمر عليهم الوقت دون مشكلات وحروب وسجن ومطاردات، ساهم في بعضها سيف الدين قطز بشكل مباشر أو غير مباشر،
ومن المهم أن نتذكر أن رابطة الخشداشية التي كانت تجمع المماليك، كانت رابطة قوية للغاية، ومن ثم فإن بيبرس ورفاقه من المماليك البحرية كانوا يحملون رغبة الثأر لزميلهم أقطاي من ناحية ولزملائهم الآخرين الذين قتلوا على يد قطز، أو بسببه من ناحية أخرى، فضلاً عما نالهم من الهوان والمذلة في منفاهم من ناحية ثالثة .
● وقال الدكتور أحمد مختار العبادي :
أما أسباب مصرع قطز فلا شك أنها أعمق بكثير من قصة رفضه نيابة حلب لبيبرس، وأن هذا الرفض لم يعد أن يكون سبباً مباشراً لمقتله عند الحدود المصرية، ..
والواقع أن تلك الاسباب قديمة ترجع إلى أيام السلطان أيبك وتشريده معظم المماليك البحرية الصالحية، وقتله زعيمهم أقطاي، إذ صار مماليك أيبك وهم المعزية ومنهم قطز، أصحاب النفوذ والسلطان في مصر،...
واستمر العداء بين المعزية والبحرية قائماً حتى أغار المغول على مصر، فاضطر المماليك جميعاً إلى الإتحاد بدليل قول العيني أن المماليك البحرية انحازوا إلى قطز المعزي، لما تعذر عليهم المقام بالشام، وللتناصر على صيانة الإسلام، لا لأنهم أخلصوا الولاء له ، ...
فلما انتصر المماليك على المغول في عين جالوت، ولم تبق هناك ضرورة للإتحاد، ظهر العداء القديم بين الطائفتين من جديد، وكان من نتائج ذلك مقتل قطز المعزي على يد بيبرس الصالحي، ....
وهذا هو المعنى الحقيقي لما أورده ابن أبي الفضائل تعقيباً على مقتل قطز حين قال: فلحق الناس خوف عظيم من عودة البحرية إلى ما كانوا عليه من الفساد .
● وروى ابن إياس في هذا الصدد :
ولما تم أمر بيبرس في السلطنة، رسم باحضار المماليك البحرية الذين كانوا منفين في البلاد، كما روى في موضع آخر وكذلك المقريزي أن المماليك المعزية حاولوا اغتيال بيبرس، عقب عودته إلى القاهرة، فقتل بعضهم، وسجن ونفي البعض الآخر . وهذه النصوص وأن دلت على شيء، فإنما تدل على أن مقتل قطز كان نتيجة لعداء قديم مستحكم بين المماليك البحرية الصالحية والمماليك المعزية .
------------------------------------------------------------------
☆ قصة التتار د. راغب السرجاني ..
☆ التتار بين الإنتشار والإنكسار د. على الصلابي ص316-309
#تاريخ_التتار_جواهر (33)



إرسال تعليق