رجال حول الرسول ( صلّى الله عليه وسلّم ) 1
مصعب بن عمير ( أول سفراء الإسلام )
--------------------------------------------------------
غرّة فتيان قريش, وأوفاهم جمالا, وشبابا..
قال الرواة : "
كان أعطر أهل مكة
"..
ولد في النعمة, وغذيّ بها, وشبّ تحت خمائلها ؛
ذلك الفتى المدلل المنعّم, حديث مكة, ولؤلؤة ندواتها ومجالسها, أيمكن أن يتحوّل إلى أسطورة من أساطير الإيمان والفداء..؟!
انه واحد من أولئك الذين صاغهم الإسلام وربّاهم أشرف الخلق "محمد" عليه الصلاة والسلام..
ولكن أي واحد كان..؟
إن قصة حياته لشرف لبني الإنسان جميعا...
وحين كانت مكة تمسي وتصبح لا حديث يشغلها إلا الرسول عليه الصلاة والسلام ودينه, كان فتى قريش المدلل أكثر الناس استماعا لهذا الحديث.
ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه, يجتمعون بعيدا عن فضول قريش وأذاها..
هناك على الصفا في دار "الأرقم بن أبي الأرقم" فلم يطل به التردد, ولا الانتظار, بل صحب نفسه ذات مساء إلى دار الأرقم تسبقه أشواقه ورؤاه...
هناك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتقي بأصحابه فيتلو عليهم القرآن, ويصلي معهم لله العليّ القدير.
ولم يكد مصعب يأخذ مكانه, وتنساب الآيات إلى قلبه, حتى كان فؤاد ابن عمير في تلك الأمسية هو الفؤاد الموعود..!
لقد كادت الغبطة تخلعه من مكانه, وكأنه من الفرحة الغامرة يطير .
بسط رسول الله صلى الله عليه وسلم يمينه الحانية حتى لامست ذلك الصدر المتوهج, والفؤاد المتوثب, فكانت السكينة العميقة عمق المحيط..
وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنّه وعمره, ومعه من التصميم ما يغيّر سير الزمان..!!
ولم يكن مصعب حين أسلم ليخاف أحدا على ظهر الأرض سوى أمه .
قرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمرا ؛ فلم يطل به الأمر كثير ا .
فلقد أبصر به "عثمان بن طلحة" وهو يدخل خفية إلى دار الأرقم..
ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد صلى الله عليه وسلم,
فسابق ريح الصحراء وزوابعها, شاخصا إلى أم مصعب, حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...
ووقف مصعب أمام أمه, وعشيرته, وأشراف مكة مجتمعين حوله يتلو عليهم القرآن في ثبات و يقين ...
وهمّت أمه أن تسكته بلطمة قاسية ؛
ولكن اليد التي امتدت كالسهم, ما لبثت أن استرخت وتنحّت أمام ذلك النور الذي زاد وسامة وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام, وهدوءا يفرض الإقناع..
ولكن, إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى, فان في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر..
فمضت به إلى ركن قصي من أركان دارها, وحبسته فيه, وأحكمت عليه إغلاقه,
وظل رهين محبسه ذاك, حتى خرج بعض المؤمنين مهاجرين إلى أرض الحبشة, فاحتال لنفسه حين سمع النبأ, وغافل أمه وحراسه, ومضى إلى الحبشة مهاجرا أوّابا..
ذلك أنهم رأوه.. يرتدي جلبابا مرقعا باليا, وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه, حين كانت ثيابه كزهور الحديقة النضرة ألقا وعطرا..
وتملى رسول الله مشهده بنظرات حكيمة, شاكرة محبة, وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة, وقال:
《 لقد رأيت مصعبا هذا, وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه, ثم ترك ذلك كله حبا لله ورسوله 》.!!.... .... (*1)
فودعته باكية, وودعها باكيا..
قالت له وهي تخرجه من بيتها : اذهب لشأنك, لم أعد لك أمّا !!
اقترب منها وقال : "يا أمّه إني لك ناصح, وعليك شفوق, فاشهدي بأنه لا اله إلا الله, وأن محمدا عبده ورسوله"...
أجابته غاضبة مهتاجة:" قسما بالثواقب, لا أدخل في دينك, فيزرى برأيي, ويضعف عقلي"..!!
ففارقها حزينا فاختاره رسول الله (صى الله عليه وسلم) لأعظم مهمة في حينها :
أن يكون سفيره إلى المدينة, يفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة, ويدخل غيرهم في دين الله, ويعدّ المدينة ليوم الهجرة العظيم
لقد جاءها أول يوم ب وليس فيها سوى اثني عشر مسلما هم الذين بايعوا النبي (صلى الله عليه وسلم) من قبل بيعة العقبة, ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى بدا أثره
ففي موسم الحج التالي كان و فد مسلمي المدينة الذي ينوب عنهم.. سبعين مؤمنا ومؤمنة.. جاءوا تحت قيادة معلمهم "مصعب بن عمير".
فلقد فهم مصعب رسالته تماما ووقف عند حدودها.
وعرف أنه كداعية إلى الله تعالى, ومبشر بدينه ليس عليه إلا البلاغ..
هناك نهض في ضيافة "أسعد بن زرارة" يغشيان معا القبائل والبيوت والمجالس, تاليا على الناس ما كان معه من كتاب ربه, هاتفا بينهم في رفق : (إنما الله اله واحد)..
ذات يوم بينماهو يعظ الناس فوجئ برجل أتاه شاهرا حربته وقد توهج غضبا !!
كان سيدا لبني عبد الأشهل واسمه أسيد بن حضير كأنما يقول في نفسه :
ما هذا الذي جاء يفتن الناس عن دينهم.. ويدعوهم لهجر آلهتهم, ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل !
فآلهتهم قابعة معهم أما إله محمد الذي يدعوهم إليه لا يعرف مكانه أحد , ولا يستطيع أن يراه أحد ..!!
رأى الناس ذلك فأصابهم الذعر مما سيحدث ولكن مصعب الخير ظل ثابتا وديعا, متهللا..
وقف ذلك الرجل أمامه مهتاجا غاضبا, وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة:
"ما جاء بكما إلى حيّنا, تسفهان ضعفاءنا..؟
اعتزلانا, إذا كنتما تريدان الحياة ..!!
وفي مثل هدوء البحر وقوته..
وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته انفرجت أسارير مصعب الخير وتحرّك لسانه بالحديث الطيب فقال:
"أولا تجلس فتستمع..؟! فان رضيت أمرنا قبلته.. وان كرهته كففنا عنك ما تكره"
هنالك أجابه أسيد قائلا: أنصفت.. وألقى حربته إلى الأرض وجلس يصغي..
ولم يكد مصعب يقرأ القرآن, ويفسر دعوة محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام, حتى أخذت أسارير بن خضير تنبسط وتشرق و يتهلل وجه مع كل كلمة من حديث مصعب ..
ولم يكد مصعب يفرغ حتى هتف به أسيد بن حضير قائلا:
فأجابه الجمع بتهليلة رجّت الأرض رجّا !!
ثم قال له مصعب:
"يطهر ثوبه وبدنه, ويشهد أن لا اله إلا الله".
فغاب أسيد عنهم قليلا ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه, ووقف يعلنها :
وسرى الخبر كالضوء..
وجاء سعد بن معاذ فأصغى لمصعب واقتنع, وأسلم !!
ثم تلاه سعد بن عبادة, وتمت بإسلامهم النعمة !!
وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون:
إذا كان أسيد بن حضير, وسعد بن معاذ, وسعد بن عبادة قد أسلموا, ففيم تخلفنا..؟
هيا إلى مصعب, فلنؤمن معه, فإنهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه..!!
هكذا كان سفراء رسول الله صلي الله عليه وسلم !!
كانوا هم السفراء حقا !! فقد أدبهم و علمهم سيد البشر و خاتم الرسل ( صلى الله عليه وسلم ) .
-------------------------------------------------------------------
(*1) المستدرك على الصحيحين/أبو عبد الله محمد بن عبد الله الحاكم النيسابوري/
مسألة: التحليل الموضوعي
1941 - ذكر مناقب مصعب الخير وهو ابن عمير بن هاشم - قتل يوم أحد رضي الله عنه -
1942 - مصعب بن عمير كان من أحسنهم
4956 - حدثنا أبو عبد الله الأصبهاني ، ثنا الحسن بن جهم ، ثنا الحسين بن الفرج ، ثنا محمد بن عمر ، حدثني إبراهيم بن محمد العبدري ، عن أبيه قال : كان مصعب بن عمير فتى مكة شبابا وجمالا ، وكان أبواه يحبانه ، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب وأرقه ، وكان أعطر أهل مكة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يذكره ويقول : " ما رأيت بمكة أحسن لمة ولا أرق حلة ولا أنعم نعمة من مصعب بن عمير " . .
--------------------------------------------------------------------
* رجال حول الرسول خالد محد خالد مختصر بتصرف .. و مصادر أخري .
تابعونا #رجال_حول_الرسول_جواهر مصعب بن عمير ج١


إرسال تعليق