تاريخ التتار الأول (17)
إمبراطورية جنكيز خان
----------------------------------
*سنقتبس هنا كما وعدناكم سابقا من كتاب (د. سلمان العودة ) كيف دخل التتر بلاد المسلمين .
---------------------------------------------------------------------
هو أبو طالب مؤيد الدين محمد بن أحمد بن علي بن أبي طالب ابن العلقمي البغدادي الرافضي.
خفف من رافضيتـه (الصفـدي) حيـن قال:
قال السبكـي:
تولى الوزارة للخليفة العباسـي (المستعصم) مدة أربع عشرة سنة أفشى خلافها الرفض فعارضتـه السنة فكبتها فتنمّـر .
وكان – كمـا قال ابن الأثيـر – :
وقال في موضع آخر:
مولده في شهر ربيـع الأول سنـة إحدى وتسعيـن وخمس مائة، وهلك في أوائل سنة سبع وخمسين وست مائة هجرية.
أما عن موقفه مع التتـر فهو موقف الخزي والعار؛ إذ سعى في دمار الإسلام وخراب بغـداد كما قال الصفـدي .
ومالأ على الإسـلام وأهله الكفـار حتى فعل مـا فعل بالإسـلام وأهلـه . وهو الذي حفـر للأمة قليـبا فأُوقِـع فيه قريبا – كمـا قال الذهبـي .
المكاتبـة:
لقد كاتب ((هولاكو)) وجسّـره وقوى عزمه على قصد العـراق ليتخـذ عنده يـداً وليتمكـن من أغراضـه(3).
بل لقـد جر هولاكو وقرر معه أمورا انعكسـت عليه .
واستخدم في هذه المكاتبات شتـى الحيـل وبلغ نهاية المكـر، قد حكي أنه لمـا كان يكاتب التتـار تحيّـل مرة إلى أن أخذ رجلا وحلق رأسـه حلقـا بليغـا وكتب ما أراد عليه بوخز الأبر كمـا يفعل بالوشـم، ونفـضعليه الكحـل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطى ما كتب فجهزه وقال: إذا وصلت التتـر مرهم بحلق رأسك ودعهم يقـرأون ما فيه، وكان في آخـر الكلام: قطِّعوا الورقـة، فضربت رقبته، وهذا غايـة في المكر والخـزي – كمـا قال الصفـدي.
لم تكن سياسة المكاتبـة مع التتـر هي الأولـى في هذا السياق، بل سبقتها خطـوات مهَّـدت لها وكانت بمثابـة الأرضيـة والمقـدمة لما بعدها؛ فقـد اتخذ ابن العلقمـي سياسة خبيثة – في إضعـاف جيش الخلافـة ساهمت في دخـول التتـر بغـداد دون مقاومـة تذكـر،
إذ اجتهد قبتل مجيء التتـر في صرف الجيـوش وإسقاط اسمهم من الديـوان وصرفهم عن إقطاعاتهم، ونجح في ذلك إذ كانت العساكـر في آخر أيام المستنصر قريبا من مائة ألف – منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسـر – فلم يزل ابن العلقمـي مجتهدا في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشـرة آلاف في أواخـر أيام المستعصم .
ويقـول الذهبـي:
(استوزر (المستعصم) ابن العلقمـي الرافضـي فأهلك الحرث والنسـل، وحسّـن له جمـع الأمـوال، وأن يقتصـر علـىبعض العساكـر، فقطع أكثـرهم
.
وبلغت حالة الجيش وعساكر الخلافـة بالذات مبلغا من الـذل والهـوان، حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجـد، وحق للشعراء أن ينشـدوا فيهم الشعـر ويرثوهـم بالقصائد، وينعـوا على الإسلام وأهلـه .
وكـان ذلك بسبب سياسة هذا الرافضي المغرض الذي عبـر عن سياسته وأثـر وزارته على المستعصم ابن كثيـر حين قال:
وقال في موصع آخر: (إنه كان وزيـر سـوء على نفسه وعلى الخليفة وعلى المسلمين) .
فلما تحقق لابن العلقمـي ما أراد، كاتب التتـار وأطمعهم في أخذ البـلاد وسهل عليهم ذلك، وحكـى لهم حقيقة الحـال، وكشـف لهم ضعـف الرجـال .
وهكـذا تبـدو سياسة ابن العلقمـي بعيـدة الغـور سيئة القصد، ولا يحيق المكـر السيء إلا بأهله – كمـا سيتضح بعد .
ولم تقف سياسة ابن العلقمي عند هذا الحد، فقد بادر بإتخـاذ الخطـوة العملية حين قدم التتـار، وكان أول من بـرز إليهم فخـرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه فاجتمع بهولاكو ثم عاد فأشـار على الخليفة بالخروج إليه والمثـول بين يديه لتقـع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة،
فخرج الخليفة في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤساء الأمراء والدولة والأعيـان، فلما اقتربوا من منزل هولاكو حُجِبو عن الخليفة إلا سبعة عشر نفسا خلص بهم الخليفة، وأنزل الباقون عن مراكبهم ونهبت، وقتلوا عن آخرهم،
وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة، ويقال إنه اضطرب في كلامه من هول ما رأى من الإهانات والجبروت، ثم أعيد إلى بغـداد تحت الحوطة والمصادرة يحيط به الطوسـي وابن العلقمـي الرافضيان،
ونهب من دار الخلافـة أشياء كثيرة من الذهـب والحلي والأشياء النفيسـة، ثم أشـار هؤلاء الرافضة على هولاكـو بعدم مصالحة الخليفة وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاما أو عامين ثم يعود الأمـر إلى ما كـان قبل ذلك، وحسنـوا له قتله،
ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمـي، ونصير الدين الطوسـي، فلما عاد الخليفة إلى هولاكو أمر بقتله.
ويقال إن الخليفة قتـل رفسا وهو في جوالق لئـلا يقع على الأرض شيء من دمه فيؤخـذ بثـأره وقيل بل خنق، ويقال إنه أغـرق. والله أعلم .
-----------------------
ويبقـى بعد ذلك السـؤال المهم: لماذا فعل ابن العلقمـي ما فعل وأحـل بدار الخلافة ما حـل ؟
وإجابة السؤال تتضح من خـلال منظوريـن، عام، وخاص، وإليك البيـان:
أما العام فخلاصتـه خبث طوية الروافـض بشكل عـام على أهل السنـة وتظرف معتقدهم فيهم، وعدم تحرجهم من التعـاون مع الكفـار على إبـادة المسلمين السنـة،
ويكشـف لنا هذه الحقيقـة بجـلاء شيخ الإسـلام ابن تيمية في أكثر من كتـاب، وفي أكثر من موضـع في الكتـاب
الواحد.
وينقـل من معتقداتـهم أنهم يكفـرون كل من اعتقد في أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار العدالة أو ترضيّ عنهم كمـا رضي الله عنهم ... ويستحلون دمـاء من خـرج عنهم، ويسمـون مذهبهم مذهب الجمهور ...
ويـرون في أهل الشـام ومصر والحجـاز والمغـرب واليمن والعراق والجزيـرة وسائـر بـلاد الإسلام أنه لا يحل نكاح هؤلاء ولا ذبائحهم ... ويرون أن كفر هؤلاء أغلظ من كفر اليهود والنصارى لأن أولئك عندهم كفـار أصليون وهؤلاء مرتدون ...
وقال أيضا:
ويربـط ابن تيميـة بين موقـف الرافضـة بشكل عام من أهـل السنـة وموقف ابن العلقمـي وأمثاله بشكل خاص ويكشف عن عوامـل ذلك فيقـول:
وهم كانـوا من أعظم الأسباب في دخـول التتـار قبل إسلامهم إلى أرض المشرق بخراسـان والعراق والشام، وكانوا أعظم الناس معاونة لهم على أخذهم لبـلاد الإسلام وقتل المسلمين وسبي حريمهم،...
وقضية ابن العلقمـي وأمثاله مع الخليفة، وقضيتهم في حلب مع صاحب حلب مشهورة يعرفها عموم الناس... وإذا غلب المسلمون النصارى والمشركيـن كان ذلك غصة عند الرافضـة، وإذا غلب المشركـون والنصارى المسلمين كان ذلك عيدا ومسـرة عند الرافضـة) 
وفي (منهاج السنة) قال شيـخ الإسلام ابن تيميـة يرحمه الله
وكذلك الذين كانـوا بالشـام وحلب وغيرهما من الروافـض كانـوا أشد الناس معاونـة لهم على قتـال المسلمين ... إلى أن يقول: فهم دائمـا يوالـون الكفـار من المشركيـن واليهود والنصـارى ويعاونونهم على قتـال المسلمين ومعاداتهم)
.
فإذا اتضح المنظـور العام أمكن فهم السبب الخـاص في موقف ابن العلقمـي مع التتـر في إطاره ولم يفصـل عنه، وقد ذكـر المؤرخون أن الذي حمل ابن العلقمـي على موقفه من التتـر أن أبا بكر بن الخليفة المستعصم والدويدار الصغير قد شـدا على أيـدي السنة حتـى نهب الكـرخ وتمّ على الشيعـة بـلاء عظيم، ...
فحنق لذلك ابن العلقمـي وأراد الثـأر بسيف التتـار من السنة وكاتـب هولاكو، وطمّعـه في العـراق،فجاءت رسل هولاكو إلى بغـداد، وفي الباطـن معهم فرمانات لغيـر واحد والخليفة لا يـدري ما يتم .
ونقـل الذهبـي – في إطـار العلاقـات السريّـة المشبوهة أنه قدم إلى بغـداد رسـولان من التتـر واجتمعا بابن العلقمـي وتعمّت الأخبـار .
وقال الصفـدي :
وزير رضـي من بأسـه وانتقـامه
بطي رقاع حشـوها النظم والنثر
كمـا تسجع الورقاء وهي حمامـة
وليس لها نهي يطاع ولا أمـر
وقال ابن كثيـر:
وربمـا اجتمع إلى هذه وتلك الوعـود الطيبة التي بذلها (المغـول) وأغرت (ابن العلقمـي)، والوفـاق والتعاون مع نظيـره في المعتقد والتعصب (الطوسـي) والذي أصبح وزيرا لهولاكو .
---------------------
ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، ودخل التتـار وجندهم بغداد ووقع ما وقع من الظلم والفسـاد وسفك الدمـاء وهتك الأعـراض، ولم يكن ابن العلقمـي بعيدا عن ذلك كله ولا سالما منه ألبتة،
وقد أحسن الظـن الذهبـي في تعبيره وكان دقيقا في وصف حالته حين قال:
ونقـل الصفـدي :
حكـي أنه كـان في الديوان جالسا فدخل بعض التتـار ممن لا وجاهة له راكبا فرسه، فساق إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد، وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثياب الوزير وهو صابر لهذا الهـوان يظهر قـوة النفس وأنه بلغ مراده ...
.
ولم تكن الشيعة بشكل عام – وهم أهله وعشيرته – بمنأى عن هذه الجرائم والمآثـم، وعجيب أن يكون حنقه على أهـل السنة، وحميته للشيعة تبيح له ذلك كله.
ويروى أن بعض أهل بغـداد قال له:
ويقـول ابن الوردي:
وبلغ إذلال (التتـر) له أن جعلوه تابعا لشخص يدعـى (ابن عمران) كـان خادما في دولة المستعصـم.
بل نقـل (النويـري) ما هو أشـد من ذلك، إذ استدعـاه (هولاكو) فلما مثـل بين يديه سبّـه ووبخه على عـدم موافاته لمـن هو غذي نعمته، وأمـر بقتله فقتـل،
وقيل لم يقتله وذكر (السيـوطي) أنه صار معهم في صـورة بعض الغلمـان، وأنه مـات كمـدا .
---------------------------------------
وعلى الرغم من وضوح الحقيقة، وتضافر المصادر على ذكر هذا الموقف المخزي لابن العلقمـي، فثمة آراء غريبة لبعض الشيعة المعاصرين تحـاول توهين الحقيقة، وتظـن بذلك أنها تدفع عن الشيعة عـار هذا الموقـف وخزيه،
ولكـن الحقيقة فوق هذا التوهـين ، وهي من الثبـوت في مصادر الشنة والشيعة أيضا بحيث لا تقبـل النقض والإبـرام، وإليك نموذجـا لهؤلاء:
يقول الدكتـور القفـاري:
وحينما جـاء على من ذكر الحادثة من معاصريها مثل أبي شامة شهاب الدين عبد الرحمن بن إسماعيـل ت665هـ كان جوابه عن ذلك بأنه وإن عاصر الحادثة معاصـرة زمانية لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرة المكانية)
.
و يقـول الدكتـور القفـاري:
1_ أن الشيعة يعتبـرونه من رجالهم.
2- أنه من بغـداد.
3- أنه متوفـى سنة 674هـ؛
فهو شيعـي بغـدادي معاصر للحادثة ذلك هو الإمام الفقيه علي بن أنجـب المعروف بابن الساعي الذي قـال:
على أن إنكـار الحقائق ليس سمـة الشيعة المعاصـرين فحسب بـل سبقهم إلى ذلك الشيعة التقدمون ؛
فهـذا (ابن العلقمـي) العلـوي ألف كتابه (الفخـري في الآداب السلطانية) سنة 701هـ في الموصل، ودافـع بحمـاس عن موقف ابن العلقمـي، بل غالى في الثنـاء على دولة المغـول بشكل مثيـر أبعـده عن الإنصاف كمـا يقول الزركلـي.
وممـا قاله في سبيـل الدفـاع عن موقف ابن العلقمـي: (ونسبه الناس إلى أنه خامـر، وليس ذلك بصحيـح، ومن أقـوى الأدلة على عدم مخامرته سلامته في هذه الدولة؛ فإن السلطـان هولاكو لمـا فتح بغـداد وقتل الخليفة سلم البلـد إلى الوزيـر وأحسـن إليه وحكـَّمه، فلو كان قـدخامـر على الخليفة لمـا وقع الوثـوق إليه)
.
ويظهـر للمتأمـل أن هذا الدليل من علائـم التهمة والمواطـأة لا من دلائل البـراءة والنـزاهة، ولكن (ابن الطقطقـي) لا يقف عند هـذا الحـد، بل يسـوق روايـة تفيد أنه ظـل وفيّاَ للمستعصم إلى آخـر لحظة، وأنه لم يلبِّ دعـوة هولاكوا إلا تحت ضغط الخليفة !.
وقد سبـق بيان مـا يكشف تهافت هذه الآراء والمرويات، ومع ذلك فقـد تصـدى الدكتـور الصياد للرد على ابن الطقطقـي وممأ قاله:
إذ كان بتصرفه هذا عاملا هاما في ضياع دولة وذهاب شخصية لها مقـام ديني كبير في نفـوس المسلمين، خصوصا وأن هذا التحـول الخطير قد تم على أيدي قوم من الكفـرة، ثم أن النكبة لم تكـن مقصورة على أهل السنة وحدهم بل كانت عامة شاملة قاسـى منها أهل السنة وأهل الشيعة..)
.
فهـذا ((الششتـري)) ت1019هـ القاضـي – وهو مؤرخ شيعي كبير – يعترف صراحة بدور الرافضـة في سقوط بغـداد ويقول:
وبمثـل ذلك يمكن إسقاط محـاولات الدفاع والتبرير الساذج عند ((أغابزرك الطهرانـي)) الذي قال:
----------------------------------------------------------------------
دور نصيـر الدين الطوسـي

إرسال تعليق