تاريخ الأندلس ... (21)
🌲 وَ لِلحَوادِثِ سلوانٌ يُهوّنُها
وَما لِما حَلَّ بِالإِسلامِ سلوانُ
-------------------------------------------------------------------
🔸الصراع بين العرب الفاتحين الأوائل و الشاميين الجدد
-------------------------------------------------------------------
🔹 ملخص ما سبق :
بعد إعلان البربر ثورتهم في بلاد إفريقية، ساء موقف العرب وبدأ والي إفريقية عبيد الله بن الحبحاب يستعد لمواجهة تلك الثورة،
إلتقى الجيش العربي، بقيادة خالد بن حبيب الفهري بالجيش البربري بقيادة ميسـرة المـدغري فاقتتل الجيشان، وهزم العرب شر هزيمة، وقتل القائد العربي فيهـا، بالقرب من مدينة طنجة سنة (123هـ-740م) .
علم الخليفة هشام بن عبد الملك (105هـ -125هـ/ 724م-743م) بأنباء هزيمة العرب وعلق الخليفة هشام على الأحداث فقال "... والله لأغضبن لهـم غضـبة عربية، ولأبعثن لهم جيشاً أوله عندهم وآخره عندي"،
وأرسل جيشاً بلغ مقداره ثلاثين ألفاً ، و أقر عليه كلثوم بن عياض القشيري و بلج بن بشـر القشـيري .
إلتقى الجيش العربي بجيش البربر، وحينما احتدم القتال بينهما، لجأ البربر إلى وسيلة قتالية ذكية، وهي حيلة فزعت منها خيل العرب فكسبوا بها المعركة، وحاصروا بلج بن بشر القشيري في عشرة آلاف من جنوده، وحالوا بينـه وبـين العودة إلى معسكره .. فذهب محتميـاً بمدينــة ســبته بعد فشله قبل ذلك في دخول مدينة طنجة المغربية ...
وحينها بدأ البربر بمحاصـرة المدينة ، فاستعصت عليهم فخربوا مزارعها و احدثوا بها مجاعة كبيرة .
عز على الخليفة هشام بن عبد الملك ما أصاب العرب في هذه الموقعة فأمر عامله على مصر حنظلة بن صفوان، أن يقود حملة عسكرية قوامها ثلاثون ألفاً، فوصل القيروان سنة (124هـ/ 741م) واشتبك مع البربـر، وانتصر عليهم بمساعدة أهل إفريقية.
بلغ أهل الأندلس نبأ ثورة البربر في طنجة، وتسامعوا بها، فانتفضت الـبلاد، وعمـت أرجاءها الفوضى، ودب الذعر في نفوس العرب، وثار أهل الأندلس على والـيهم عقبـة بـن الحجاج السلولي حيث خلعوه .. .وقيل قتلوه.. و ولوا مكانه عبد الملـك بن قطن الفهري في سنة (122هـ/ 739م) وهي الولاية الثانية له .
اضطر بلج الى مكاتبة عبد الملك بن قطن الفهري و الاستنجاد به، ووصف له حال العرب المحاصرين في سبتة منذ زمن، فرفض ابن قطـن مساعدته أو دخوله الأندلس خوفا على منصبه ..
بدأت الثورة البربرية في الأندلس ضد العرب، "فـاخرجوا عـرب جليقيـة وقتلـوهم، وآخرجوا عرب استرقة والمدائن التي خلف الدروب، ،م إن البربر هجمـوا علـى العـرب فـي أطراف الأندلس فانضم عرب الأطراف كلها إلى وسط الأندلس"
تحـرج موقف عبد الملك بن قطن كثيراً، فأرسل لقمع هذه الثـورة البربريـة عـدة جيوش لكنها هزمت جميعها ..
فلم يجد بدا من السماح لبلج وأصحابه بدخول الأندلس، لفترة مؤقتة،و الإستعانة بهم لحين القضاء على الخطر البربري الـداهم علـى الأنـدلس .. ونقلهم في السفن و أطعمهم و كساهم .. واشترط عليهم الخروج من الأندلس فور انتهاء مهمتهم و أخذ عشرة رهائن من أصحاب بلج واحتجزهم بالجزيرة الخضراء لضمان تنفيذ ذلك.
بدأ بلج وجماعته بتنفيذ المهمة ، فهـاجموا البربر وانتعشـوا بسبب الغنائم التي كسبوها وساروا مع عبد الملك بن قطن إلى مدينة قرطبـة ؛ وبعـدها تـابعوا المسـير إلـى مدينـة طليطلة ..
إلتقى الجيش العربي بجيش البربر في طليطلة، وانقض على صفوف البربر، وأوقع بهـم هزيمة نكراء، وهناك قال عبد الملك بن قطن لبلج بن بشر وأتباعه: "آخرجوا من الأندلس على مـا شـورطتم " هنالك رفض بلج و أصحابه الشاميين الخروج من الأندلس .
كان من نتائج الحرب العربية البربرية في إفريقية والأندلس، أن انشغل العرب والبربـر بهذه الحروب، وأهملوا الزراعة، وتركوا أراضيهم ، فعم الخراب، وقلت الاقـوات، وانتشـرت
المجاعة ... وهزمهم بلاي، وآخرج العرب من جليقية كلها، وتنصر كـل مذبـذب فـي دينـه وضعف الخراج ، وقتل من قتل
😡 وبسبب هجرة البربر والعرب من أماكن سكناهم، استغل النصارى ذلـك، وبـدأوا يوسعون حدود مملكتهم بقيادة الملك الفونسو الأول .
-------------------------------------------------------------------
🔸 الصراع بين الفاتحين الأوائل والشاميين
بعد أن استغل بلج وأتباعه فرصة استنجاد عبد الملك بن قطن بهم لقمع ثـورة البربـر، ليستقروا في الأندلس، بدأت عوامل الفتنة والاضطراب فيها بالظهور، فقد تحـول النـزاع فـي
الأندلس من نزاع بين العرب والبربر إلى نزاع بين العرب أنفسـهم، بـين العـرب البلـديين المستقرين الأوائل في الأندلس منذ زمن الفتح، وبين القادمين الجدد، وهم الشاميون القادمون إلى الأندلس بقيادة بلج بن بشر القشيري(ت124هـ/ 741م)
الأمر الذي كان له أسوأ الأثر على حياة العرب العامة في الأندلس، فقد تمزقت وحدتهم وتفرقت كلمتهم، وتطور نزاعهم وأخذ شكل العصبيات القبلية بين القيسية واليمنية وهي فتنة أعطت ملوك الممالك النصرانية الشمالية فرصة عظيمة، انتهزوها من أجل توسيع حدود مملكتهم واسترداد بلادهم من المسلمين .
ألح عبد الملك بن قطن على بلج وأصحابه للخروج من الأندلس، وبالغ كثيراً في ذلـك، "فنهضوا إليه، فاخرجوه من قصر قرطبة إلى داره بالمدينة، ودخل بلـج القصـر عشـية يـوم الأربعاء في صدر ذي القعدة. "وقـد بايعـه أصحابه، ثم نزل في داره التي يقال لها دار أبي أيوب وكان ذلك في سنة (122هــ/ 739م)
وفي هذه الأثناء والأمور مضطربة في الأندلس، قام حاكم الجزيرة الخضراء المعين من قبل عبد الملك بن قطن، بقطع الطعام والشراب عن الرهائن العشرة الذين أخذهم عبد الملك بـن قطن من بلج بن بشر، حتى يضمن خروجه من الأندلس بعد انتهاء مهمته فـي القضـاء علـى البربر، وقمع ثورتهم
ونتيجة للفوضى والاضطرابات، وقطع الماء والطعـام عـن هـؤلاء الرهائن، مات أحدهم، وهو رجل غساني من أشراف دمشق من الشاميين ..
وحينما تسلّم بلـج مقاليد الأمور في الأندلس طالبه أتباعه أن يسلم لهم عبد الملك بن قطن ليقتلوه بدلاً من الغسـاني المقتول من أتباعهم ؛ واتهموه بأنه المسؤول الأول والأخير عن حالة الوفاة تلك .
حاول بلج بن بشر جاهداً أن يمنع أتباعه من ارتكاب تلك الفعلة، لأنه كان مدركاً لعواقبها أكثـر من غيره، إلا أنه فشل في ذلك، واتهمه أصحابه بالوقوف إلى جانب ابن قطن، وهددوه بعدم الطاعة
وأمام إصرار الجند الشاميين وإلحاحهم من أجل تنفيذ عملية قتل ابن قطن، لـم يجد بلج بن بشر بداً إلا الإذعان لمطالبهم خوفاً من تفرق كلمة أتباعه..
فاخرج الجند ابن قطن من داره بقرطبة وهو كما قيل: "كأنه فرخ نعامة من الكبر، وهم ينادونه يافال: أفلت من سيوفنا يـوم الحرة، فطلبتنا بثأرنا في أكل الدواب والجلود، ثم أردت إخراجنا إلى القتل"زثم قاموا فقتلـوه وصلبوه ؛ وقيل إنهم صلبوا عن يمينه خنزيراً وعن شماله كلباً عند رأس القنطرة بقرطبة .
وهنا عمت الفوضى جميع أنحاء الأندلس، فقد كان لعبد الملك ولدان اثنان: هما قطـن، وأميـة،اللذان عز عليهما ما فعله بلج بوالدهما، فبدآ يعدان العده للانتقام منه وأتباعه لفعلته بوالدهم عبد الملك بن قطن، وكان قطن وأمية قد هربا من قرطبة بعد مقتل والدهما فذهب أحـدهما إلى مارده،وذهب الآخر إلى مدينة سرقسطة
بدأ قطن وأمية ابنا عبد الملك يعدان العدة للانتقام من بلج وأتباعه، فاتحد العرب البلديون بقيادة قطن وأمية، وانضم إليهم عدد كبير من جموع البربر الناقمين على بلج وأتباعه لما فعلـوه بإخوانهم بربر إفريقية والأندلس، فكان لدى البربر ميول ورغبة في الانتقام مـن أهـل الشـام،
وانضم إليهم أيضا الوالي عبد الرحمن بن علقمة اللخمي*، عامل عبد الملك ان قطن في منطقـة نربونة
وزاد الأمر تعقيداً قيام فرقة من أتباع بلج بن بشر الساخطين عليه لفتكه بعبد الملك بن قطن، بالانضمام بقيادة عبد الرحمن بن حبيـب، إلـى جـيش أولاد عبـد الملك بن قطن
وقيل إن عبد الرحمن بن حبيب كان قد دخل الأندلس قبل أن يدخلها بلج بن بشر الذي كان في إفريقية حينها ، وأنه لعب دوراً هاماً في التحريض لدى عبد الملك بن قطن ضد بلج بن بشـر وأتباعـه الشاميين .
وأيـاً كـان هذا، فقد استعد ابنا عبد الملك: قطن وأمية، لمواجهة بلج استعداداً تماماً، حتى أنهما جمعا جيشـاً عظيماً بلغ تعداده مائة ألف مقاتل وقيل بل بلغ تعداد جيشهم أربعين ألفاً فقط .
وحينما علم بلج بن بشر بذلك خرج إليهم بجيش بلغ تعداده عشرة آلاف رجل من الأمويين والشـاميين والتقى الجيش الشامي بقيادة بلج بن بشر مع جيش إبني عبد الملك بن قطن وعبد الـرحمن بـن علقمـة وأتباعهما من البلديين والبربر في موضع في الأندلس، يقال له "أقوة بٌرطورة" من اقليم ولبـة*
واقتتل الطرفان قتالاً شديداً، انهزم فيه إبنا عبد الملك بن قطن ومن تحالف معهما ..
إلا أن بلج بن بشر أصيب في أثناء المعركة بسهم، كان قد رماه به عبد الرحمن بن علقمة اللخمي،المعروف عنه مهارته في الرمي، فمات في اليوم التالي متأثراً بجراحه التي أصـيب بهـا وكان ذلك في سنة (124هـ/ 741م) وقيل إن ولايته على الأندلس استمرت اثنـي عشـر شهراًوقيل أحد عشر شهراً .
وبعد مقتلـه تـولى امـر الأنـدلس ثعلبـة بـن سـلامة العاملي (ت125هـ-743م)
وأمام هذه الأحداث والاضطرابات، لجـأ ثعلبة بن سلامة العاملي إلى قمع بقايا ثورات البربر في ماردة وغيرهـا مـن مـدن الأنـدلس الآخرى فغزاهم وقتل منهم خلقاً كثيراً، وأسر منهم الكثير وبعدها توجه إلى مدينة قرطبـة ،
وفي أثناء ولايته التي لم تتجاوز العشرة أشهر أساء السيرة فـي العـرب والبربـر، فحينما تمكن من اخماد وإخضاع القبائل الثائرة ضده في الأندلس، قام بسـبيهم، وجمعهـم فـي
قرطبة، وعاملهم معاملة سيئة جداً، حتى بلغ به الأمر أنه كان يبيـع شـيوخ العـرب البلـديين وأشراف القبائل هناك لمن ينقص في الثمن، لا لمن يزيد، حتى أنه باع أحدهم بكلب
في هذه الأثناء، بدأت الخلافة الأموية بالضـعف، وبـدأت الـدعوة العباسـية بـالقوة، واضطرب الأمر في المشرق، وقل اهتمام بني أمية في الأندلس، بسبب كثرة المشاكل التي كانت تعاني منها الدولة الأموية نفسها
وأمام تلك السياسة التي اتبعها الشاميون في الأندلس، بـدأت
تتعالى صيحات التضجر والتذمر لدى العرب البلديين الذين تضايقوا جداً مـن وجـود العـرب الشاميين بينهم، وقالوا: "بلدنا يضيق بنا فاخرجوا عنا" .
وأمام ازدياد الأوضاع سوءاً في الأندلس، وصلت الأنباء للخليفة هشام بن عبد الملك في دمشق، وعلم بأنباء الفساد والاضطرابات في إفريقية والأندلس، فجمع أهل الـرأي والشـورى، وشاور حاشيته بذلك فقيل له: "يا أمير المؤمنين، ليس يصلح آخر هذا الأمر إلا بما صلح به أوله، فاصرف نظرك وحسن رأيك إلى هذه القحطانية، فقبل منه ذلك" .
وصلت ليد الخليفة هشام بن عبد الملك مجموعة من الأبيات الشعرية كتبها الشاعر أبو الخطـار الحسام بن ضرار الكلبي من إفريقية ، ويعرض فيها بيوم مرج راهط، وما كان مـن بـلاء
قبيلة كلب مع الأمويين، وحثه فيها على اصلاح الأحوال في الأندلس، والانتقام من أعداء الدولة وكـان البربر، ومن غيرهم ممن نشروا الفتنة ..
فسأل عنه هشام، فعرف أنه رجل من كلب، وكان هشام قد ولى على إفريقية حنظلة بن صفوان الكلبي سنة (124هـ/ 741م) فطلب منه بأن يولي أبا الخطار على الأندلس فسيره إليها حاملاً معه سجل تعيينـه واليـاً علـى الأندلس من قبل والي إفريقية حنظلة بن صفوان وكان ذلك في عام (124هـ/ 742م)
ركب أبو الخطار من تونس قاصداً الأندلس، وأخذ معه ثلاثين رجلاً من الشاميين، وكانت هذه الجماعة من العرب هي الطالعة العربية الثانية من العرب الشاميين التي سميت بذلك تمييزاً لها عن طالعه موسى بن نصير الأولى، حيث أن بعض المصادر الإسلامية تسمي عملية دخول العرب إلى الأندلس بالطوالع .
لم تكن مهمة أبي الخطار مهمة سهلة ويسيرة، فهو مقبل على بلد تموج فيـه الفوضـى والاضطرابات، ولعبت في أرجائه رياح الفتنة، وقد ذهب أبو الخطار للأندلس حاملاً لواءه فـي داخل عباءته، ونزل بالقرب من مدينة المائدة*
كان أبو الخطار يمنياً من أعيان أهل الشام وحينما نزل بالقرب من مدينة المائدة منطقة يقال لها وادي شوش*، أصلح من شأنه وشأن أصحابه، وتقدم فوجد الحرب دائرة رحاها بين الشاميين الأمويين والبلديين والبربر،...
وحينما شاهد الفريقان لـواءه أوقفـوا الحـرب، وأسرع كلٌ منهما للقائه، فقال لهم: "تسمعون وتطيعون، فقالوا "نعم"، فقال لهم: هذا سجل حنظلة بن صفوان ابن عمي، لي عليكم بعهد أمير المؤمنين إليه، فقال أهل البلد والبربر: سمعنا وأطعنا،
ولكن لا محمل فينا لهؤلاء الشاميين، فيخرجوا عنا، فقال لهم: أدخل قرطبة واستريح، ثم يكـون ما تريدون، فقد ظهر لي أمر فيه صلاح جميعكم إن شاء االله "
عرف عن أبي الخطار: أنه كان شجاعاً كريماً حسن الرأي وحازماً ضبط الأوضاع في الأندلس، واستشار قومس(قمص) أهل الذمة(النصارى) وشيخها، ويسمى أرطباس حول قمع الفتنـة فـي الأندلس، وعرف عن هذا القومس العقلانية ورجاحة الرأي، فـاقترح عليـه أن يقـوم بتوزيـع الشاميين على جميع نواحي الأندلس، لأن بقاءهم إلى جـواره يشـكل خطـراً علـى الحـاكم والمحكومين .
أحب أهل الأندلس أبا الخطار، ورضوا به لأنه يمني الأصل، معتدلٌ ومن خيـار أهـل الشام حتى أنه حينما وصل للأندلس، ونزل في قرطبة، وجد الـوالي ثعلبـة بـن سـلامة العاملي (ت125هـ/ 742م) بالمصارة، ومعه الأسرى والسبي من عرب الأنـدلس وبربرهـا، فأمره أبو الخطار باطلاقهم، وفك أسرهم، فسر ذلك الناس، وسمي عسكره نتيجة لذلك بعسـكر العافية
وبدأ يعمل على معالجة الأمور في الأندلس، مستخدماً سياسة مـن الحـزم والشـدة والحكمة والاعتدال، فدرس أسباب الفتنة، وقرر أن يواصل البحث حتى يصل إلى مصدر الفتنة
ورأسها في الأندلس، فوجدها في عدة شخصيات أبرزها الوالي السابق ثعلبة بن سلامة العـاملي .
وقال لهم أبو الخطار: "قد ثبت عند أمير المؤمنين، وعند عامله حنظلة بن صـفوان، أن فساد الأندلس بكم، فخرجوا وخلفوا طنجة"
وكثر أهل الشام عنده، ولم تسـتطع قرطبـة أن تحملهم وضاق البلديون بهم ذرعاً، وارتفعت صيحات الشكوى والتذمر منهم قائلين لـه: " لا محمل فينا لهؤلاء الشاميين فليخرجوا عنا"
ولذا قرر أن يعمل على تفريق العرب الشـاميين على كور(أقاليم) الأندلس المختلفة . وأن يعمل على إبعادهم عن قرطبة إذا كانت لا تحملهم، لعلـه يخفف من حدة الفتنة هناك
وقد راعى إلى حد كبير أن تكون هذه المناطق مشابهة للمناطق الأصلية من المشرق التي جاؤوا منها فأنزل* أهل دمشق البيرة، لشبهها بها، وسماها دمشق، وأنزل أهـل حمـص
اشبيلية وسماها حمص، وأهل قنسرين جيان وسماها قنسرين، وأهل الأردن، رية ومالقة وسماها الأردن وأهل فلسطين شذونة وهي شريش، وسماها فلسطين، وأهـل مصـر تـدمير وسـماها مصر .
وقـد أراد أبـو الخطار من سياسته هذه تفريق الشاميين، والحد من شوكتهم، وحينما رأى الشاميون بلدانا تشبه بلدانهم، سكنوا وهدأت نفوسـهم
وقد كانت كل قبيلـة تجبـي غلـة ناحيتها التي نزلت فيها، وتأخذ منها عطاءها ونفقاتها، وترسل الزيادة لبيت مال المسلمين ؛ إمـا لإفريقية، أو لدمشق مقر الخلافة.
ولأن هـذه الكور سكنها الجند الشاميون سميت بالكور المجندة أقطع أبو الخطار القبائل الشامية ثلث أموال أهل الذمة الباقين من الروم ..
وفي هذا التوزيع بقـي اهـل الأنـدلس البلديين والبربر على غنائمهم ومناطقهم التي نزلوا بها بداية ولم ينقص من أملاكهم شـيء ولا يزال هناك في اسبانيا بعض الأسماء المشرقية المرادفة لأسماء المدن الأندلسية، ولا سـيما في الشعر الأندلسي الذي كثيراً ما وجدت فيه عبارات مثل حمص ودمشق للدلالة على اشـبيلية وغرناطة .
يمكن القول إن الأحوال في الأندلس قد هدأت، وأن المسلمين قد سكنوا في مناطقهم التي نزلوا بها "يعالجون فلاحة الأرض وعمران القرى، ويرأسهم أشياخ من أهل دينهم"فهـدأت الفتنة، وذهبت ريحها لفترة قصيرة،
إذ سرعان ما قامت في الأندلس حروب وعصبيات داخليـة
في زمن الدولة الأموية، وهي حروب العصبية اليمنية والقيسية أو المضرية !!
وفي الأندلس نجـد القبائل الحجازية والشامية تنقسم على نفسها إلى هاتين العصبيتين، فأصبح أبو الخطار متعصـباً ضد المضرية لليمنية، ...
وكان أبو الخطار زعيم اليمنية في الأندلس بينما الصميل بن حـاتم* حفيد شمر بن ذي الجوشن قاتل الحسين في كربلاء زعيم القيسية، ...
وسيدخل الصراع في الأندلس مرحلة جديدة، تسميها المصادر العربية بمرحلة الصراع بين العصبيات العربية: العصبية القيسية والعصبية اليمنية
-------------------------------------------------------------------
* الإشارات و المراجع لاحقا أن شاء الله
☆ الأندلس في عصر الولاة (ص120 - ص 130) رسالة الدكتوراة جامعة نابلس . إعداد أشرف يعقوب أحمد اشتيوي إشراف الدكتور هشام أبو رميلة .
-------------------------------------------------------------------
تابعونا #تاريخ_الأندلس_جواهر (21)
.jpg)
إرسال تعليق