تاريخ التتار الأول (30)
إمبراطورية جنكيز خان
-------------------------------------
توقفنا في الفقرة السابقة عند رسالة هولاكو الفظيعة إلى سلطان مصر سيف الدين قطز والتى كلها تهديد ووعيد قال فيها :
... يعلم الملك المظفر قطز وسائر أمراء دولته وأهل مملكته بالديار المصرية وما حولها من الأعمال، إنا نحن جند الله في أرضه، خلقنا من سخطه، وسلطنا على من حل به غضبه،..
أسلموا إلينا امركم، قبل أن ينكف الغطاء، فتندموا ويعود عليكم الخطأ،...
فنحن ما نرحم من بكى، ولا نرفق لمن شكى قد سمعتم أننا قد فتحنا البلاد وطهرنا الأرض من الفساد، وقتلنا معظم العباد، فعليكم بالهرب، وعلينا الطلب،...
فأي أرض تأويكم وأي طريق تنجيكم، وأي بلاد تحميكم، فما من سيوفنا خلاص، ولا من مهابتنا خلاص، ....
فخيولنا سوابق، وسهامنا خوارق، وسيوفنا صواعق وقلوبنا كالجبال، وعددنا كالرمال، فالحصون لدينا لا تمنع والعساكر لقتلنا لاتنفع، ودعاؤكم علينا لا يسمع، ....
فلا تطيلو الخطاب، واسرعوا برد الجواب، قبل أن تضرم الحرب نارها، وترمي نحوكم شرارها، فلا تجدون منا جاها ولا عزاً ولا كافياً ولا حرازاً، وتدهون منا بأعظم داهية، وتصبح بلادكم منا خالية، ....
فماذا يفعل قطز ؟!
-------------------------------------------------------------------
كانت الرسالة بمثابة التحدي النهائي لآخر قيادة إسلامية، باقية فى العالم الإسلامي 
وعلى ضوء الموقف الذي ستقرره هذه القيادة سيتوقف مصير عالم الإسلام وحضارته 
كل المؤشرات كانت تقود إلى الاستلام لذلك التحدي والإذعان لضروراته.. 
ولكنه الإيمان له منطق آخر، أنه لا يمنح القدرة عل الحركة في ظروف الشلل التام، فحسب، لكنه بصيرة تخترق حجب العمى والظلام، لكي تطل على الأفق يشع ضياء،
● قطز: ماذا ترتئون؟
● ناصر الدين قميري :
《 إن هولاكو فضلاً عن أنه حفيد جنكيز خان، فإن شهرته وهيبته غنية عن الشرح والبيان وإن البلاد الممتدة من تخوم الصين إلى باب مصر كلها في قبضته الآن، فلو ذهبنا إليه نطلب الأمان فليس في ذلك عيب أو عار، ..
ولكن تناول السم بخداع النفس واستقبال الموت، أمران بعيدان عن حكم العقل، ...
إن هولاكو ليس بالإنسان الذي يطمأن إليه، فهو لا يتورع عن إحتزاز الرؤوس، وهو لا يفي بعهده وميثاقه، فإنه قتل فجأة الخليفة وعدداً من الأمراء بعد أن أعطاهم العهد والميثاق، فإذا سرنا سيكون مصيرنا هذا السبيل.》
● قطز :
《 والحالة هكذا فإن كافة ديار بكر وربيعة والشام ممتلئة بالمناحات الفجائع، وأصبحت البلاد من بغداد وحتى الروم خراباً يباباً، وقضى على جميع ما فيها من حرث ونسل،
..
فلو أننا تقدمنا لقتالهم وقمنا بمقاومتهم فسوف تخرب مصر خراباً كغيرها من البلاد، وينبغي أن تختار مع هذه الجماعة التي تريد بلادنا واحدا من ثلاثة : الصلح أو القتال أو الجلاء عن الوطن،
...
أما الجلاء عن الوطن فأمر متعذر ذلك لأنه لا يمكن أن نجد مفراً إلا المغرب، وبيننا وبينهم مسافات بعيدة .》
● قميري:
《 وليس هناك مصلحة أيضاً في مصالحتهم، إذ أنه لا يوثق بوعودهم .》 
● عدد من الأمراء :
《 ليس لنا طاقة ولا قدرة على مقاومتهم، فمر بما يقتضيه رأيك.》 
● قطز :
《إن الرأي عندي هو أن نتوجه جميعاً إلى القتال، فإذا ظفرنا فهو المراد، وإلا فلن نكون ملومين أمام الخلق.》 
● الظاهر بيبرس :
《أرى أن نقتل الرسل، ونقصد كتبغا ـ قائد المغول ـ متضامنين، فإذا إنتصرنا أو هزمنا فسوف نكون في كلتى الحالتين معذورين.》 
--------------------------------------------------------------------
وفي هذه الأثناء أراد المظفر قطز أن يقطع كل مجال للتردد في الخروج لمواجهة المغول، فأصدر أوامره إلى ولاة الأقاليم المصرية بجمع الجيوش وحث الناس على الخروج للجهاد في سبيل الله ونصرة دين رسول الله صى الله عليه وسلم،
وطالب الولاة بإزعاج الأجناد للخروج للسفر، ومن وجد منهم من إختفى يضرب بالمقارع، 

وسار بنفسه حتى نزل الصالحية(* شرقي مصر قريبة من قناة السويس ومدينة الإسماعيلية الحالية) ،
حيث تكامل عنده وصول العساكر المصرية، ومن إنضم إليهم من عساكر الشام والعرب والتركمان وغيرهم، وذلك في يوم الاثنين الخامس عشر من شعبان سنة 658هـ يوليو1260م ،
وفي هذه المنطقة طلب قطز الأمراء واجتمع بهم وتكلم معهم في المسير لقتال المغول، وهنا يبدو أن بعض هؤلاء الأمراء عاودهم الخوف من مواجهة المغول وامتنعوا عن الخروج، الأمر الذي أثار حماسة السلطان المظفر قطز فقال لهم :
وأمام هذا التصميم الذي أبداه قطز لمواجهة المغول، والذي أعقبه تحليف من وافقه من الأمراء على المسير، ومن ثم إصدار أوامره إلى قواته بالمسير لملاقاة العدو مهما كانت الظروف ...
حيث عبر عن ذلك بقوله: "أنا ألقي التتار بنفسي" 

فلم يسع بقية الأمراء المعارضين إلا الموافقة، وانقضى الجمع على الخروج صفاً واحداً لإنقاذ المسلمين من ويلات الغزو المغولي المدمر .


-------------------------------------------------------------------
وكان أول إجراء قام به المظفر قطز ضد المغول هو إستدعاء رسل هولاكو واستقبالهم استقبالاً جافاً إيذاناً لإعلان الحرب عليهم، ومن ثم القبض عليهم وضرب عنق كل منهم أمام باب من أبواب القاهرة وتعليق رؤوسهم على باب زويلة
...
وأبقى على صبي من الرسل وجعله من مماليكه،
وكان أول ماعلق من تلك الرؤوس من المغول على باب زويلة .
ويبدو أن قطز اعتبر الرسل محاربين وأنهم ليس لهم الحصانة الكافية لمنع قتلهم، حيث أن المغول قتلوا النساء والأطفال والشيوخ غير المقاتلين، وبأعداد لا تحصى في سمرقند وبخارى وبغداد وحلب ودمشق وغيرها من بلاد المسلمين،
كما أن رسل التتار أغلظوا القول وأساؤوا الأدب وتكبروا عليه وكان الهدف من تعليق رؤوس المغول على أبواب القاهرة الرئيسية رفع معنويات الناس وإعلان الحرب وإعلام التتار بأنهم قادمون على قوم يختلفون كثيراً عن الأقوام الذين قابلوهم من قبل،...
وهذا يؤثر سلباً على التتار فيلقي في قلوبهم ولو شيئاً من الرعب أو التردد،
● يقول عبد الله بن مسعود : جاء ابن النواحة وابن أشال رسولا مسيلمة إلى النبي صلى اله عليه وسلم فقال لهما :
"أتشهدان أني رسول الله؟ "
قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله، 
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلاً رسولاً لقتلتكما "
و يعلق عبد الله بن مسعود على هذا الحديث فيقول : مضت السنة أن الرسل لا تقتل .
وهذا الحديث يدل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار، وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام أو سائر المسلمين . وما حدث من سيف الدين قطز، مخالف لأحكام الشريعة والكمال لله وحده.
--------------------------------------------------------------------
لم يعد أمام المظفر قطز بعد إتمام تلك الاستعدادات سوى إختيار مكان وزمان المعركة التي كان ينوي منازلة المغول فيها، 
وهنا تبدو لنا إستراتيجية جديدة إتبعها قطز في هذه المواجهة الحاسمة، ذلك أنه إذا كان حكام المسلمين إبتداء من الدولة الخوارزمية حتى أرض فلسطين قد التزموا مبدأ التحصن داخل مدنهم إنتظارا لهجوم المغول عليهم ومحاولة صده فقط ...
وقد أبدى الصليبيون إستعدادهم الكامل لتسهيل مرور القوات الإسلامية إليه، طبعا لأن التتار سلبوهم الكثير من مستعمراتهم كما أنهم لا قبل لهم بقطز و جيش مصر 
هذا بالإضافة إلى كون هذا الجزء من أرض فلسطين منطقة فسيحة يعلوها جبل ، الأمر الذي سيمكن قواته من مواجهة العدو في كل الظروف، ...
ففي حالة الاشتباك المباشر مع العدو في معارك مكشوفة، يكون القتال في منطقة منبسطة، وفي حالة مناوشته من بعيد يكون الجبل مساعداً للرماة لأداء واجبهم عل الوجه الأكمل، ...
كما أن إختيار هذا المكان في بلاد الشام لمنازلة المغول، يعطي في حد ذاته دفعة قوية لتلك الجموع الشامية الهاربة منهم إلى مصر والتي انضمت إلى جيش المماليك، للاستبسال والتفاني في الجهاد وطمعاً في العودة مرة أخرى إلى بلادها، خاصة وأن هناك أمراء أيوبيين في ركاب هذه الجيوش، كان الملك المظفر قطز قد وعدهم بإعادتهم إلى إماراتهم بعد طرد المغول من بلاد الشام، 
كما إختار قطز لهذه المعركة الفاصلة شهر أغسطس الذي تكون فيه الحرارة مرتفعة للتأثير على تلك الجموع المغولية القادمة من صحاري منغوليا الباردة ، للتقليل من نشاطهم القتالي لكونهم لم يعتادوا على المناخ الحار الذي عادة ما يسود مناطق فلسطين في ذلك الوقت .
--------------------------------------------------------------------
طلب سيف الدين قطز من الأمراء الاجتماع العاجل مرة أخرى، وحثهم على القتال وذكرهم بما وقع في أقاليم الإسلام ، وقال لهم :
《 يا مسلمين قد سمعتم ما جرى من أهل الأقاليم من القتل والسبي والحريق، وما منكم أحد إلا وله مال وحريم وأولاد، وقد علمتم أن أيدي التتار تحكمت في الشام وقد أوهنوا قوى دين الإسلام، ...
وقد لحقني على نصرة دين الإسلام الحمية، فيجب عليكم يا عباد الله القيام في جهاد أعداء الله حق القيام، ...
يا قوم جاهدوا في الله بصدق النية تجارتكم رابحة وأنا واحد منكم وها أنا وأنتم بين يدي رب لا ينام ولا يفوته فائت ولا يهرب منه هارب،》
فعند ذلك جرد قطز ، الأمير ركن الدين بيبرس في جماعة من العساكر وأرسله طليعة بفرقة من الجيش عرفت بمقدمة جيش عين جالوت و قد فتح الله على يدي بيبرس و كان خيرا عظيما للإسلام و لكل العالم ...
ولنكمل حديثنا عن تلك الملحمة الرائعة التى خلدها التاريخ لاحقا إن شاء الله
-------------------------------------------------------------------
* دراسات تاريخية عماد الدين خليل صـ84.صـ85
* سيف الدين قطز قاهر المغول، نور الدين خليل صـ112.؛صـ114.
* السلوك نقلاً عن جهاد المماليك صـ120.
* تاريخ الدولة المغولية في إيران صـ144، صـ116جهاد المماليك صـ120.صـ116
* قصة التتار السرجاني صـ278.صـ279
* مسند أحمد، وسنن أبي داؤد، نقلاً عن قصة التتار صـ279.
*نيل الأوطار للشوكاني نقلاً عن قصة التتار صـ279.
الروض الزاهر لابن عبد الظاهر صـ64، جهاد المماليك صـ116.
☆☆ التتار بين الإنتشار و الإنكسار د. على الصلابي ص 304-300
☆☆ قصة التتار doc د. راغب السرجاني ص 162-154
---------------------------------------------------------------------
معركة غزة ... و عين جالوت التالي ان شاء الله
تابعونا #تاريخ_التتار_جواهر (30)


إرسال تعليق