تاريخ الدولة العباسية (4)

 تاريخ  الدولة  العباسية   (4)

-----------‐------‐------------------------------------

 رتب محمد بن على العباسي أمر الدعوة جيدا و اتخذ من الحميمة بالأردن مركزا لقيادته وأمر بالدعوة للرضا من آل محمد و للإمام المستور  (يعني أن يخفوا شخصيته) وكان أبوه على لايزال حيا ..



وجعل للدعاة مركزين: 

▪أحدهما بالكوفة التي اعتبرت نقطة المواصلات وأقيم فيها ميسرة مولی علی بن عبد الله

▪ والثاني بخراسان التي هي محل الدعوة الحقيقي، ووجه إليها.محمد بن خنیس وأبو عكرمة السراج، 


واختار من الدعاة اثنا عشر نقيبا ذكرناهم سابقا واختار سبعين رجلا ليكونوا مؤتمرین بأمر هؤلاء، وكتب إليهم محمد بن على كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة يسيرون بها .


وقد قال محمد بن على بن عبد الله لدعاته حين أراد توجيههم إلى الأمصار :

{ أما الكوفة وسوادها فشيعة علي وولده. ...


وأما البصرة وسوادها فعثمانية تدين بالكف، تقول: کن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل....


وأما الجزيرة(*يعني الفراتية شمال العراق) فحرورية مارقة وأعراب کأعلاج ومسلمون في أخلاق النصارى....


وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني

مروان وعداوة راسخة وجهل متراكم. 

وأما مكة والمدينة فقد غلب عليهما أبو بكر وعمر.


ولكن عليكم بخراسان، فإن هناك العدد الكثير والجلد الظاهر وهناك صدور سليمة وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم يتوزعها الدغل، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب

وكواهل وهامات ولحي وشوارب وأصوات هائلة ولغات فخمة تخرج من أجواف منكرة .


وبعد فإني أتفاءل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح الخلق . }  ..

-----------------------------------------------------‐---------------

كان الدعاة يجوبون البلاد الخراسانية، ظاهر أمرهم التجارة وباطنه الدعوة، ينتهزون الفرص ثم يبلغون أمرهم إلى القائم بالكوفة وهو يوصله إلى الحميمة أو إلى مكة حيث

يجتمع المسلمون لأداء فريضة الحج، وكان ذلك المجتمع أعظم ساتر لأمر الدعاة لأنهم كانوا إذا قفلوا من خراسان سافروا حجاجا. وكانت إقامة محمد بن على بالحميمة سببا آخر في انتظام المواصلات وكتم سرها.


وكان أول ما ظهر من أمرهم بخراسان (سنة 102ه) حيث جاء رجل من تميم إلى أمير خراسان سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص الذي يقال له سعيد بن خذينة وقال له : إن ههنا قوما قد ظهر منهم کلام قبيح،..


 فبعث إليهم سعيد فأتي بهم فقال لهم: من أنتم؟ قالوا: أناس من التجار؟ قال: فما هذا الذي يحكي عنكم؟ قالوا: لاندری؟ قال : جئتم دعاة؟ فقالوا: إن لنا في أنفسنا و تجارتتا شغلا عن هذا،...


 فسأل من يعرف هؤلاء، فجاء أناس من أهل خراسان جلهم من ربيعة واليمن، فقالوا: نحن نعرفهم وهم علينا إن أتاك منهم شيء تكرهه، فخلى سبيلهم .


وفي (سنة 105ه) انضم إلى هذه الجمعية بكير بن ماهان وهو شيخ عظيم من شيوخ هذه الدولة وكبار دعاتها وكان موسرا فساعد القوم بماله، وصادف أن توفي في ذلك الوقت ميسرة القائم بالكوفة، فأقامه محمد بن على مقامه فكان هو ربان هذه الدعوة يأتمر الدعاة بأمره ويسيرون في الطريق التي يشرعها لهم .


كان من أول النكبات التي لحقت بهم أنه وشي بجمع من دعاتهم إلى أسد بن عبد الله القسري أمير خراسان (*الأموي) وهو وال شدید قاس فأتی بهم وفيهم أبو عكرمة وأبو محمد الصادق ومحمد بن خنيس وعمار العبادي فقطع أيدي من ظفر به منهم وأرجلهم وصلبهم، 


وأفلت عمار العبادي حتى أتى الكوفة فأخبر بکیر بن ماهان بذلك الخبر المشؤوم، فكتب به إلى محمد بن على فأجابه : "الحمد لله الذي صدق مقالتكم ودعوتكم وقد بقيت منكم قتلى ستقتل " 

(* يعني بقية منكم ستقتل) ، وقد وقع بعد ذلك عمار العبادي في يد أسد فألحقه بإخوانه .


وكان أسد أشد ولاة خراسان على الشيعة فكان لا يرحم أحدا منهم وقع في يده بل شرد بهم ونكل ونفي من نفي وقتل من قتل ولذلك لم يكن للدعوة في أيامه كبير أثر حتى عزل عن خراسان (سنة 109ه) وتلك ولايته الأولى ...


ثم ولی خراسان مرة ثانية فأعاد معهم سيرته الأولى، ففي (سنة 117ه) اخذ جماعة منهم فقتل بعضهم ومثل ببعضهم وحبس بعضهم وكان فيمن أخذ سليمان بن كثير شيخ الدعوة ومالك بن الهيثم وموسی بن کعب ولا هز بن قريظ وخائج بن إبراهيم وطلحة بن زريق وغيرهم من النقباء فأتي بهم

فقال : يا فسقة ألم يقل الله: عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام  (المائدة: 95) 


فقال سليمان بن كثير: أتكلم أم أسكت؟ قال: بل تكلم ..

 قال : تدري ما قصتنا صیدت والله العقارب بيدك أيها الأمير إنا أناس من قومك (اليمن) هذه الضرية إنما رفعوا إليك هذا لأنا كنا أشد الناس على قتيبة بن مسلم وإنما طلبوا 


فانظر كيف كان القوم يستعملون العصبيات القومية في أحرج مواقفهم للخلاص مما يقعون فيه أحيانا وقد كان ذلك الجواب سببا في خلاص هؤلاء النقباء مما وقعوا فيه حيث وجدوا من قومهم من يدبر مع الأمير أمر خلاصهم وقد خلصوا وكانت وفاة أسد (سنة 120ه) فتنفست الشيعة بخراسان بعد وفاته .


حصل بعد ذلك في العالم الإسلامي ما كان له أعظم الفضل في نجاح الشيعة وقصور أعدائهم عن فل حدهم وذلك هو

 انشقاق البيت الأموي حتي تزعزع بنيانه و تصدعت أركانه 


وأول ذلك كان بخروج یزید بن الوليد بن عبد الملك بن مروان على ابن عمه الوليد بن يزيد بن عبد الملك واستعان على ذلك بالقدح في الوليد ونسبته إلى العظائم من الفسوق والكفر وإحلال ما حرم الله فكان معه قوم ساعدوه على ذلك حتى قتل الوليد .


ولما تم ليزيد أمره ولم يعبأ بقول ناصح انتهز بعض أهل بيته هذه الفرصة لينال الخلافة وهو مروان بن محمد بن مروان 

(*و مروان بن محمد هذا عماه عبد الملك وعبد العزيز؛ وعرف بالحمار) .


فإنه كتب إلى الغمر بن يزيد أخي الوليد يهيجه للمطالبة

بدم أخيه وقال في ذلك الكتاب :  ... وما إطراقي إلا لما أنتظر عما يأتيني عنك فلا تدعن نارك بأخيك فإن الله جارك و كافيك وكفى بالله طالبا ونصيرا " 


وكان مروان في ذلك الوقت أميرا للجزيرة وأرمينية ومعه جيش كبير يأتمر بأمره فلم يزل حتى أقدم على طلب الخلافة مستمسكا بهذا الحبل حتي نالها ولم يكن نيله لها مزيلا

لأسباب الخلاف والانشقاق .


والأمر الثاني الذي هيأ الفرصة هو ظهور العصبية القومية في خراسان وانشقاق القبائل العربية وذلك أن العرب يرجعون إلى شعبين عظيمين قحطان ونزار، وملك العرب القديم كان في اليمن، فلما ظهر الإسلام تحول  الملك إلى نزار مهد الوحي والنبوة ولمكانة النبي صلى الله عليه وسلم ؛ وقد آخى الإسلام بين اليمنيين القحطانيين وعرب الحجاز والجزيرة النزاريين وأنساهم العصبية التى كانت في الجاهلية 


ولما طال الزمن تراجع الناس إلى شيء مما كانوا عليه في الجاهلية بسبب أمراء السوء وظهر الانشقاق في عهد نصر بن سيار بين النزارية واليمانية وكان رئيس النزارية وكبيرهم نصر بن سيار الأمير ..؛ وكان وكبير اليمانية جديع بن شبيب المعنى المعروف بالكرماني، وإنما عرف بذلك لأنه ولد بکرمان،


 وكان نصر والكرماني قبل ذلك متصافيين إلا أن الفتنةالناشئة عن حمية الجاهلية فرقت بينهما، ..


وكانت النزارية أيضا منشقة فربيعة في جانب و مضر في جانب . وكان أكثر ربيعه مع شيبان بن سلمة الحروري الخارج على الدولة الأموية يطلب العمل بكتاب الله وسنة رسوله فكانت هذه الفرق الثلاثة متعادية .


حصلت حروب بين نصر والكرماني وكانت القوة للكرماني فاجلى نصرا عن مرو حاضرة خراسان فهدم اليمنيون دور المضرية فقالت امرأة من ضبة وهي أم كثير الضبية :


ألا بارك الله في أنثی وعذبها 

                            تزوجت مضریا آخر الدهر

أبلغ رجال تميم قول موجعة 

                           أحللتموها بدار الذل والفقر


و قال الشاعر الأخر :


وأصبحت المزون بأرض مرو

                         تقضي في الحكومة ماتشاء

وحمير  في مجالسها   قعود

                         ترفرف   في  رقابهم  الدماء

فإن مضر بذا رضيت و ذلت

                         فطال  لها  المذلة  و  الشقاء


🔹وفاة محمد بن علي العباسي (*الإمام المستور)


وفي أثناء وقوع هذه الحوادث توفي محمد بن على إمام الشيعة الذي يدعون إليه وأدلی بالأمر من بعده إلى ابنه إبراهيم وأعلم الشيعة بذلك، فقاموا بالدعوة إليه مكان أبيه، ثم توفي بكير بن ماهان شيخ الشيعة بالكوفة فأقام إبراهيم بن محمد مكانه حفص بن سليمان المعروف بأبی سلمة الحلال وأصله مولی لبني الحارث بن كعب وكان صهرا لبكير بن ماهان

فأوصى إبراهيم أن يقيمه مكانه .


🔹 ظهور أبو مسلم الخراساني 


واتصل بإبراهيم (ابن محمد بن علي العباسي) في تلك الأوقات شاب من نوابغ الشبان وذوي القدرة والعزيمة وهو أبو مسلم الخراساني وأصله مولی العیسی بن معقل العجلي إشتراه منه بکیر بن ماهان ولقنه أصول التشيع ، ثم اتصل بمحمد بن على (سنة 125ه) ثم بابنه إبراهيم وكانت تظهر عليه مخايل النجابة وقوة العزم، 


وكانت الشيعة بخراسان في حاجة إلى مثله ليشرعوا في العمل بعد أن أمكنتهم الفرصة بما وقعت فيه الدولة الأموية من الخلاف وما يقع فيه إقليم خراسان من الانشقاق فاختار إبراهيم أبا مسلم لتلك المهمة وكتب إلى أصحابه: 


" إني قد أمرت أمیری هذا فاسمعوا منه  واقبلوا قوله، فإني قد أمرته على خراسان وما غلب عليه بعد ذلك "


وكان مما أوصى به أبا مسلم قوله :

" أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت فاحفظ وصيتي. وانظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم وحل بين أظهرهم فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم،..


 وانظر هذا الحي من ربيعة فاتهمهم في أمرهم وانظر هذا الحي من مضر فإنهم العدو القريب الدار ؛ فاقتل من شككت فيه ومن كان في امره شبهة ومن وقع في نفسك منه شيء..


 وإن استطعت ألا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل فأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله ولا تخالف هذا الشيخ (یعنی سليمان بن كثير) ولا تعصه وإن أشكل عليك أمر فاکتف به منی ... "


وإنما أمره بتقريب أهل اليمن لأنهم أعداء الدولة الحاضنة (*يقصد الأموية) للعصبية التي كانت نارها مشتدة بين أهل خراسان إذ ذاك ولهذا السبب أوصاه بالشدة على مضر، فإنهم كانوا أصحاب الدولة. ومما يدل على اعتماد بني العباس على أهل خراسان دون العرب قول الإمام : (وإن استطعت الا تدع بخراسان لسانا عربيا فافعل ).


 سار أبو مسلم مزودا بهذه الوصية حتى حل بخراسان و ذلك (سنة 128ه) وكانت الحال قد بلغت أشدها بين العرب

بخراسان فأقام يدير الأمور، وبعد سنة تهيأ لزيارة الإمام ومعه عدد كبير من الدعاة، ولما بلغ مرو أتاه کتاب من الإمام يقول فيه :

 " إني قد بعثت إليك براية النصر فارجع من حيث ألقاك كتابي ووجه إلى قحطبة بما معك يوافني به في الموسم "


 فعاد أبو مسلم إلى مرو مستعدا للعمل ؛ ونزل بقرية من قرى مرو يقال لها سفيذنج وهناك بث دعاته في الناس ليجتمعوا

إليه فانثال إليه الناس وكان ذلك في رمضان (سنة 129ه) ولخمس بقين منه وعقد اللواء الذي بعث به الإمام ويدعي الظل على رمح طوله أربعة عشر ذراعا وعقد الراية التي تدعى

السحاب على رمح طوله ثلاثة عشر ذراعا وهو يتلو قوله تعالى : أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير) (الحج: ۳۹) 


ولبسوا السواد الذي جعل شعارا للدولة العباسية وقدم على أبي مسلم الدعاة من أهل مرو لمن أجاب الدعوة .


كان أول ما فعله أبو مسلم أن أمر بترميم حصن سفينذج وأقام به هو ومن معه ولما حضر عيد الفطر (سنة 119ه) وأمر سليمان بن كثير أن يصلي به وبالشيعة ونصب له منبرا في العسكر ...


 وأمره أن يبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة و كانت بنو أمية تبدأ بالخطبة والأذان ثم بالصلاة بالإقامة كصلاة يوم الجمعة فيخطبون على المنابر جلوسا في الجمعة والأعياد . 


وأمره أن يكبر ست تکبیرات تباعا ثم يقرأ ويركع بالسادسة ويفتتح الخطبة بالتكبير ويختمها بالقرآن وكانت بنو أمية تكبر في الركعة الأولى أربع تكبيرات يوم العيد وفي الثانية ثلاث تكبيرات ..

ولما تمت الصلاة انصرف .د ومن معه إلى طعام أعد لهم مستبشرين.


وكتب أبو مسلم إلى نصر بن سيار الوالي الأموي على خراسان  يقول له أما بعد فإن الله تباركت أسماؤه وتعالى ذكره ؛ عير أقواما في القرآن فقال :


{ وَأَقْسَمُواْ بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الأمَمِ فَلَمَّا جَآءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً* اسْتِكْبَاراً فِي الأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّىءِ وَلاَ يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّىءُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } فاطر 42؛43


 فاستعظم نصر الكتاب ولا سيما أنه رأى أبا مسلم بدأ فيه بنفسه؛ وكان جوابه أن وجه إلى أبي مسلم مولى له اسمه يزيد في خيل عظيمة فوجه إليه مسلم مالك بن الهيثم الخزاعي فالتقوا بقرية تدعى آلين وكانت بين الفريقين موقعة

انتهت بانتصار الشيعة وأسر يزيد رئيس جند نصر بعد أن جرح فأمر أبو مسلم بمداواته حتی خیره بين أن يقيم معه ويدخل في دعوته  أو أن يرجع إلى مولاه سالما ويعطى عهد الله ومیثاقه ألا يحاربهم ، ولا يكذب عليهم ، وأن يقول فيهم ما رأى ,...


  فاختار يزيد الرجوع الى مولاه ، وقال أبو مسلم للصحابه إن هذا سيرد عنكم أهل الورع  والصلاح ؛ فإنا ما نحن عندهم بمسلمين ..(* يعني يعتبروننا غير مسلمين) .


قدم یزید علی نصر فقال له نصر : لا مرحبا بك والله ما ظننت استبقاء القوم إلا ليتخذوك حجة علينا ؛ فقال يزيد: هو والله ما ظننت وقد استحلفوني ألا أكذب عليهم، وأنا أقول: إنهم يصلون الصلاة لمواقيتها بأذان وإقامة ويتلون كتاب الله ويذكرون الله كثيرا ويدعون إلى ولاية رسول الله ، وما أحسب أمرهم إلا سيعلو، ولولا أنك مولای أعتقتني من الرق ما رجعت إليك ولأقمت معهم. 


کثرت بعد ذلك وفود الناس على أبي مسلم ووجدت الدعوة في قلوبهم مكانا صالحا فضاقت عليه سفينذج فرحل إلى الماخوان وهي قرية كبيرة من قرى مرو كانت للعلاء بن حريث ولأبی خالد بن عثمان فحصنها و خندق حولها وكانت عدة من معه في الخندق سبعة آلاف رجل .


رأی عرب خراسان أن ما بينهم من هذه الفرقة والحروب تشد أزر عدوهم - وكانوا ثلاث فرق كما قدمنا - وكان الكرماني قد قتل في إحدى وقائعه مع نصر وأجلى قومه عن مرو وخلفه في قيادة اليمانيين ابنه على، فكتب نصر إلى شيبان الحروري بقول له: 


" إن شئت فكف عني حتى أقاتله (*يعني أبا مسلم) وإن شئت فاتفق معي على حربه حتى أقتله أو أنفيه ثم نعود إلى أمرنا الذي كنا عليه " 


فهم شیبان أن يفعل، ولكن أبا مسلم كانت له عين لا تنام فأرسل إلى على بن الكرماني يقول له: إنك موتور قتل أبوك ونحن نعلم أنك لست على رأی شیبان وإنما تقاتل لثأرك فامنع شيبان من صلح نصر فدخل ابن الكرمانی علی شیبان ولم يزل به حتى ثناه عن رأيه فأرسل نصر إلى شيبان إنك لمغرور وأيم الله ليتفاقمن هذا الأمر حتى تستصغرني بجانبه .


وفي أثناء ذلك كان أبو مسلم يرسل قواده فیستولون على البلاد من عمال نصر ولا يجدون مقاومة تذكر. ولما رأت ذلك ربيعة وعلمت شدة أمر أبي مسلم أرسلت إلى نصر تطلب منه الموادعة فأجاب إلى ذلك وتوادعوا مدة سنة.


 بلغ ذلك أبا مسلم فأرسل إلى ابن الكرمانی يهيجه بأخذ الثأر فقال : 

"إني ما صالحت نصرا وإنما صالحت شيبان وأنا لذلك كاره وأنا موتور ولا أدع قتاله " 


فعاود القتال وأبی شيبان أن يعينه وقال : لا يحل الغدر فأرسل ابن الكرماني إلى أبي مسلم يستنصره، و كان هذا كل ما يريده فأرسل إليه : " إني معك على نصر"


فاشتد ذلك على نصر وكتب إلى أبي مسلم يلتمس منه أن يدخل مع نصر وبعثت إليه ربيعة بمثل ذلك كلهم طلب معونة هذا القتال الذي ليست له غاية إلا الفتك بهم جميعا، !!!


فأمرهم أبو مسلم أن يقدم عليه وفد كل منهم حتى يختار ففعلوا وأمر أبو مسلم متكلمى الشيعة أن يختاروا وفد ربيعة وقحطان، فإن السلطان في مضر وهم عمال مروان وهم قتلة يحيى بن زيد،  !!


ولما قدمت عليه الوفود فعل الشيعة ما أمروا به فنهض وفد مضر تعلوهم المذلة والكآبة ورجع وفد ربيعة وقحطان مسرورين ظافرين ولم يدروا ما خبأه لهم الغيب .


وبذلك ظفر أبو مسلم ظفرا عظيما فإنه فرق كلمة العرب بعد أن كادت تجتمع عليه فقام من الماخوان في جمادی الاولی (سنة 130ه) يريد مرو وأرسل إليه ابن الكرماني : " إدخل حائط مرو من قبلك وأدخل أنا وعشیرتی من قبلي" 


فأرسل إليه أبو مسلم أن لست آمن تجتمع يدك ويد نصر على حربی ، فادخل أنت وانشب الحرب فدخل ابن الكرمانی وأنشب الحرب وأمر أبو مسلم أحد قواده بدخول مرو فدخلها وأعقبه أبو مسلم فدخل والقتال دائر بين الكرماني ونصر فأمر الفريقين أن يكفا وهو يتلو :

{ وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِ وَهَٰذَا مِنْ عَدُوِّهِ ۖ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ } (القصص15)

ومضى أبو مسلم حتى دخل دار الإمارة وهرب نصر مستخفيا.


صفت مرو لأبی مسلم، وأمر أحد النقباء بأخذ البيعة على أهلها ونص البيعة هو : 

(أبايعكم على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم عليكم بذلك عهد الله وميثاقه والطلاق والعتاق والمشي إلى بيت الله الحرام وعلى ألا تسألوا رزقا ولا طمعا حتى يبدأكم به ولاتكم وإن كان عدو تحت قدمه فلا تهيجوه إلا بأمر ولاتكم). 


وأخذ أبو مسلم ثقات أصحاب نصر وصناديدهم فكتفهم وحبسهم ثم قتلهم وأرسل بعد ذلك إلى شيبان الحروري يدعوه إلى بيعته فأبی وسار عن مرو إلى سرخس فوجه إليه مسلم جندة، فكانت هناك موقعة قتل فيها شیبان وعدد عظيم ممن معه, !!!!


وبعد نیل هذا الانتصار عمد إلى ابني الكرماني على وعثمان اللذين ائتمناه على حياتهما فقتلهما و قتل أكثر أصحابهما !!


صفت خراسان كلها لأبی مسلم فبعث العمال إلى جميع الولايات وأمر أحد قواده قحطبة بن شبيب أن يتتبع نصرا ومعه لواء عقده له إبراهيم الإمام فسار وراءه من بلد إلى

بلد حتى مرض نصر بالرى ومات بساوة فأقبل قحطبة بجنوده واستولى على الرى فتم للشيعة السيطرة على خراسان وبلاد الجبل ..


ثم سير قحطبه ابنه الحسن فاستولى على همذان ومنها سار إلى نهاوند فحصرها ولحقه بها أبوه فاجتمعا عليها ثلاثة أشهر ثم فتحت وتلاها شهر زور و الموصل. 


سار قحطبة بعد ذلك متوغلا في بلاد العراق فقصده ابن هبيرة أمير العراق من قبل مروان بن محمد وكان اجتماعهما غربي الفرات على نحو (۲۳ فرسخا) من الكوفة وقبل أن

تقع بينهما الموقعة الكبرى مات قحطبة فتولي إمرة الجيش ابنه الحسن .. 


وكان قحطبة قبل موته قد قال : إذا قدمتم الكوفة فوزير آل محمد ؛ هو أبو سلمة الحلال فسلموا الأمر إليه.


جرت أثناء ذلك وقائع انهزم فيها ابن هبيرة فسار منها حتى أتی واسطا. وقبل أن يدخل الحسن بن قحطبة الكوفة خرج منها محمد بن خالد القسرى مسودا(داعية عباسي) فاستولى على قصرها ولم يكن قد علم بهلاك قحطبة فكتب إليه يعلمه فوصل الكتاب إلى ابنه الحسن فارتحل إلى الكوفة فدخلها في الحرم (سنة 132ه) وسلم الأمر لأبی مسلمة الحلال فوجه الحسن إلى قتال ابن هبيرة بواسط وضم إليه قوادة. 


ووجه حمید بن قحطبة إلى المدائن. ووجه المسيب بن

زهير وخالد بن برمك إلى دير قني، وبعث المهلبی وشرحبيل إلى عين التمر. وبسام بن إبراهيم إلى الأهواز وخرج هو من الكوفة فعسكر عند حمام أعين على نحو ثلاثة فراسخ

من الكوفة .


جرت هذه الوقائع بخراسان والعراق ونار الفتنة مشتعلة بالشام والحجاز وقد مضت هذه المدة كلها وليس عند بني أمية علم بمن تدعو إليه الشيعة، فإنهم كانوا يدعون إلى الرضا من آل محمد صلى الله عليه وسلم ولا يعلم السر إلا النقباء والدعاة.


 أما العامة فمبلغ علمها أنها تدعي لرجل من آل البيت حتى وقع في يد مروان بن محمد كتاب  جواب إبراهيم إلى أبي مسلم  يأمره فيه بقتل كل من يتكلم بالعربية بخراسان ..


فأرسل مروان في الحال إلى عامله بدمشق يأمره بالكتابة إلى صاحبه بالبلقاء أن يسير إلى الحميمة ويأخذ إبراهيم بن محمد فيوجه به إليه ففعل العامل ما أمر به وقبض على إبراهيم..


 ولما أحس إبراهيم بما يراد به نعى نفسه إلى أهل بيته وأوصى إلى أخيه أبي العباس(السفاح فيما بعد) وأمر أهله بالسير إلى الكوفة والسمع والطاعة لأبي العباس.


 أما إبراهيم فحبس في سجن حران مع جماعة من أعداء مروان من بني أمية، ولم يزل في سجنه حتى مات. وكيفية موته مبهمة اختلف فيها المؤرخون فمنهم من قال: إنه سقي سما، ومنهم من قال: هدم عليه بيت فمات،.


وأما أهل بيته فتجهزوا يريدون الكوفة حتى قدموها في صفر (سنة 132ه) ورئيس القوم وقائدهم أبو سلمة الخلال الذي كان يعرف في ذلك الوقت بوزير آل محمد فأنزلوهم في

إحدى دور الكوفة وكتم أمرهم عن سائر القواد أربعين ليلة .

------------------------‐--‐------------------‐---------‐-----------

* بتصرف : الدولة العباسية للشيخ محمد الخضري ص16-18

 و من ص20-28 .

-------------------------‐--‐------------------‐---------‐----------

#تاريخ_الدولة_العباسية_جواهر (4)

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم

التاريخ الاسلامى

2/recent/post-list