تاريخ الدولة العباسية (2)
-----------‐------‐------------------------------------
ساعد العباسيين في انشاء دولتهم ضعف الدولة الأموية في سنوات حكمها الأخيرة و ضربات وثورات الخوارج و العلويين التى لم تنقطع منذ قيامها وتضامن الشيعة معهم بعد وصية الإمام أبي هاشم العلوي بنقل الإمامة إلى محمد بن علي العباسي .
قبل الدخول في التفاصيل فهناك شخصيات أساسية انتجت فكرة الدعوة العباسية و تعهدتها بالتخطيط و الإدارة حتى قيام الدولة فيجب التعرف عليها أولا وهم :
1- الأمام أبو هاشم : عبد الله بن محمد بن الحنفية (أي بن محمد بن على بن أبي طالب رضي الله عنه)
2- على بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب (أبو محمد السجاد)
3- محمد بن علي العباسي ( بن عبد الله بن العباس )
4- ابراهيم الإمام (بن محمد بن على العباسي)
وهؤلاء الأربعة لم يقطفوا الثمرة و اقتطفها شخص خامس كان أول خليفة عباسي وهو :
5 - عَبْد الله بن محمد بن علي بن عَبْد الله بن العباس بن عَبْد المُطَّلِب (وهو أبو العباس السفاح كما أطلق على نفسه)
------------------------‐-------------------------------------------
🔹 الإمام أبو هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية
عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، المكنى بأبي هاشم، شخصية كان لها دور مهم – كما هو معروف – في نشأة الحركة السياسية لبني العباس، وفي نشوء بعض الأحزاب وفرق الشيعة.
ارتبط اسم أبي هاشم بشكل عجيب بتاريخ العقائد واْلفرق السياسية والكلامية المختلفة منذ النصف الثاني من القرن 1هـ/7 م؛ إلا أن من المؤكد أن أهم قضية أدت إلى شهرته هي موضوع "انتقال الوصاية".
فبناء على بعض الروايات، فإن أبا هاشم نقل حق إمامة المسلمين الذي كان يراه لنفسه لكونه حفيداً للإمام علي (رضي الله عنه)، إلى محمد بن علي بن عبد الله بن العباس، جد العباسيين الذي ينسب إليه قصب السبق في بدء الأنشطة السرية في إيران والعراق للإطاحة بالأمويين.
--------------------------
🔹 على بن عبد الله بن العباس الإمام السجاد :
ولد في العام الذي قُتل فيه الإمام علي، فتسمى باسمه، حدث عن أبيه ابن عباس، وأبي هريرة وابن عمر، وأبي سعيد وجماعة وأمه ابنة ملك كندة مشرح بن عدي وكان جسيماً وسيماً كأبيه طوالاً، مهيباً مليح اللحية يخصب بالوسمة.
كان علي بن عبد الله بن العباس أجل إخوته قدراً وأعظمهم خطراً وكان مثالاً للرجل الكامل في تمام خلقته وحسنه .
روي هشام بن سليمان المخزومي : أن عليَّ بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجاً أو معتمراً عطلت قريش مجالسها في المسجد الحرام وهجرت مواضع حلقها، ولزمت مجلس علي بن عبد الله إجلالاً له وإعظاماً وتبجيلاً، فإن قعد قعدوا وإن مشى مشوا جميعاً، ولم يكن يُرى لِقُرَشيَّ مجلس " ذِكْرٍ " يُجتمعُ إليه فيه حتى يخرج علي بن عبد الله من الحرم.
جمع علي بن عبد الله العباسي صفات الزعامة من وهيبة ومكانة في النفوس.
أوصى عبد الله بن العباس ابنه علياً بإتيان الشام والتنحي عن سلطان ابن الزبير إلى سلطان عبد الملك، ولما توفي أبوه عمل بوصيته ورحل إلى الشام واستقبله عبد الملك واحتفى به، وكان يجلسه على سريره إذا دخل ويحادثه ويسامره وكان يرعاه ويهدي إليه الجواري، ويقضي حوائجه ويقبل شفاعته.
علم الوليد بن عبد الملك في عهده أن علياً يطلب الخلافة ويتنبّأُ بانتقالها إلى بنيه فضيق عليه ونال منه وشهر به، ثم جلده وطرده من بلاد الشام وقد تراجعت منزلة علي في عهد الوليد، وساءت حاله واضطربت وقد التمس الوليد الأسباب للانتقام منه والإضرار به فأذَّله واعتدى عليه، وجاوز القصد في ردعه ومعاقبته، فجلده مراراً ونفاه .
ولما استخلف سليمان بن عبد الملك ردّه إلى دمشق، وأخلى سبيله، وأزال عنه ما لحق به من ظلم وهوان وربما اعتذر إليه من تعذيب الوليد له، وتنكيله به، وأنصفه وتألفَّه فصلحت حاله واستقامت، ورجع إلى الحميمة، فأقام بها حّراً عزيزاً، وعاود فيها نشاطه لا رقيب له ولا حسيب عليه.
ولما جاء عهد عمر بن عبد العزيز أمر بالكف عن اضطهاد بني هاشم، وقسم فيهم سهم ذي القربى، فانتعشوا وكتبوا إليه : يشكرون له ما فعله من صلة أرحامهم. وأخذ علي بن عبد الله بن العباس، ومحمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب يدفعان عنه ويَزعان الناس في اغتيابه.
ولما تولي هشام اعتنى بعلي بن عبد الله بن العباس، وأحسن إليه، فكان يتهلَّل له ويُدينه ويحمل عنه دُيونه إذا وفد عليه، وصبر على نشاطه السياسي وتغافل عنه وتغاضى عن أمله في الخلافة، واستهان بعمله للفوز بها، حتى أخطأ في تقدير خطره وقصّر عن إدراك تهديده لملك بني أمية إذ كان يهزأ بما يبلغه من أخبار نزوعه إلى الخلافة ويستخف بتوقعه لتحولها إلى بنيه،
وكان ينسب ذلك إلى فساد عقله وضعف رأيه وأضغاث أحلامه في شيخوخته. ويرى بعض المؤرخين أن علي بن عبد الله بن العباس كان أوّل من تمنَّى الخلافة من بني العباس وشرع في تأسيس الدعوة لهم على انتقال الخلافة إليهم، وأظهر ذلك وجهر به، هذا وقد توفي علي بن عبد الله بن العباس عام 118ه .
--------------------------
🔹 محمد بن علي بن عبد الله بن العباس
كان محمد بن علي بن عبد الله بن العباس المتوفَّى سنة 125هـ خمس وعشرين ومائة، أنبه إخوته وأفضلهم، وهو الذي رسَّخ قواعد الدعوة لبني العباس، وشيَّد أركانها، ورفع بنيانها، فقد شمَّر لتوطيدها وبثها، فوضع أنظمتها وشعاراتها وأنشأ مجالسها واختار قادتها، ومكّن لها في الكوفة وخراسان، وشحذ عزائم أنصارها وهيَّأهم ليوم إعلان الثورة وتفجيرها، وكان من أجل الناس وأعظمهم قدراً وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة، وكان عليُّ يخضب بالسَّواد، ومحمد بالحُمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمداً هو علي . كان سمح النفس شديد الصَّبر، صليب الفؤاد حصين الرأي حسن التدبير، قوي الحُجَّة، سديد المنطق، بليغ القول.
-------------------‐-------
🔹 إبراهيم الإمام
إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس المعروف بإبراهيم الإمام، (82 هـ - 131 هـ) زعيم الدعوة العباسية قبل ظهورها وهو أخو الخليفتين السفّاح وأبي جعفر المنصور. يكنى بأبي إسحاق. ولد بالحميمة سنة 82 للهجرة (701 م). تزوج من أم جعفر بنت علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.
أوصى إليه أبوه محمد بن علي (العباسي)بن عبد الله بن العباس، فسُمي بالإمام بعد أبيه.
وانتشرت دعوته بخراسان، ووجه إليها بأبي مسلم واليًا على دعاته، فانتصر هناك، فكان يدعو إلى طاعة إبراهيم الإمام من غير تصريح باسمه إلى أن ظهر أمره، وكانت شيعتهم يختلفون إليه ويكاتبونه من خراسان
ورُوى أن أبا مسلم(الخرساني) أرسل إلى إبراهيم الإمام رسالة مع رسول عربي، فلما وصل الرسول إلى إبراهيم رآه عربيًا فصيحًا. فكتب إلى أبي مسلم: «ألم أنهك عن أن يكون رسولك عربيًا، يطلع على أمرك، فإذا أتاك فاقتله»، فأحس الرسول بشيءٍ، فقرأ الرسالة، فذهب بها إلى الخليفة الأموي مروان بن محمد، وأبلغ عن إبراهيم الإمام .
فكتب مروان بن محمد إلى نائب دمشق أن يحضره، فبعث نائب دمشق بريدًا ومعه صفته ونعته، فذهب الرسول فوجد أخاه أبا العباس السفاح، فاعتقد أنه هو فأخذه فقيل له: إنه ليس به، إنما أخوه.
فدل على إبراهيم فأخذه وذهب معه بأم ولد، كان يحبها، وأوصى إلى أهله أن يكون الخليفة من بعده أخوه أبو العباس السفاح، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة، ..
فارتحلوا من يومهم إليها، منهم أعمامه الستة وهم: عبد الله، وداود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الصمد، بنو علي العباسي، وأخواه: أبو العباس السفاح، ومحمد (أبو جعفر المنصور)، ابنا محمد بن علي، وابناه: محمد، وعبد الوهاب، ابنا إبراهيم الإمام الممسوك.
فلما دخلوا الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد، مولى بني هاشم، وكتم أمرهم نحوًا من أربعين ليلة من القواد والأمراء، ثم ارتحل بهم إلى موضع آخر، ثم لم يزل ينقلهم من مكان إلى مكان حتى فتحت البلاد، ثم بويع للسفاح.
أما إبراهيم بن محمد الإمام فحبسه مروان بن محمد بحرَّان، وما زال في السجن حتى مات في صفر 131 هـ، وعمره ثمان وأربعين سنة.
----------------------------
🔹 علاقة محمد بن على العباسي بالإمام أبي هشام العلوي ووصيته له ..
بعد موت الإمام محمد بن علي بن الحنفية) بالمدينة عام ( 81ه) افترقت شيعته إلى فرقتين :
الأولى : دامت متمسكة بآرائها الكيسانية، فقد قالت: إنه غائب عنا لكنه حي يرزق بجبله (جبل رضوى) ولا بد من رجعته، فهم لا يوالون غيره، لأنهم ينتظرونه.
والثانية : تحولت إلى القول بإمامة ابنه عبد الله – المكنَّى بأبي هاشم من بعده، وسميت بالفرقة الهاشمية.
وتعتقد الهاشمية أن أمر الشيعة صار إلى أبي هاشم بوصية من أبيه، وهذه الفرقة تعتبر أكبر الفرق العلوية وأدقها تنظيماً وأكثرها حماساً وقد عرف أبو هاشم هذا برجاحه عقله وسعة علمه، وحسن تدبيره، ومعرفته بأحوال الفرق، فزادت شيعته بعد وفاة والده، فأخذ يدير الأمور، ويبعث الدعاة مع السرية التامة، موضحاً – في نظره – أحقيته بالخلافة، التي هي لهم دون الأمويين ناشراً فظائع ومظالم بعض خلفاء الدولة الأموية،
وكان أبو هاشم قدم على سليمان بن عبد الملك بدمشق، فأكرمه وأجازه، وسار أبو هاشم يريد فلسطين أو الحجار، فمرض في الطريق وأحسَّ بالموت، ولم يكن له ولد، فعدل إلى الحُميَمةِ، ونزل على محمد بن علي العباسي، فأوصى إليه بالإمامة وسلم إليه كُتُب الدُّعاة وأوقفه على ما يعمل به، وصرف شيعته إليه وأمرهم بالسمع والطاعة له،
وأعلمه أن الخلافة في ولده عبد الله بن الحارثية، وسواء أكانت وصية أبي هاشم صحيحة أم موضوعة فإن بني العباس وشيعتهم اعتمدوا عليها في تقرير حقهم في الخلافة ولم يزالوا يذكرون أن الخلافة أتتهم من جهتها إلى أيام أبي جعفر المنصور.
وليس من الثابت أن سليمان بن عبد الملك راعه ذكاء أبي هاشم فخافه وفزع منه، ولا أنه أنفذ له من سَمَّهُ بعد أن رحل عنه وإنما مات حتف أنفه (يعني انقضى أجله).
وقد أكد جماعة من المؤرخين تحول دعوة أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية إلى العباسيين والتي عمل من أجلها حوالي سبع عشرة سنة، واستقطب فيها كبار الشيعة العلوية من أهل العراق وخراسان وفرقهم على المدن والأقاليم نظم هذه الدعوة ورعاها، وأعدها لليوم المرتقب وقد كانت وفاته عام 98ه بعد موت محمد بن علي بن الحنفية بالمدينة عام ( 81ه).
-----------------------
🔹 أسباب تنازل أبي هاشم لمحمد بن علي العباسي
وعلى ضوء ما جاء من النصوص التاريخية التي ذكرت تنازل أبي هاشم عن الدعوة لمحمد بن علي العباسي عندما أحس بدنو الأجل، نستطيع أن نقول : ليس هناك ما يمنع من تنازل أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية لمحمد بن علي عن دعوته السرية التي يطلب بها الحق العلوي في الخلافة، لما نراه من أسباب نجملها فيما يلي :
أ - أن دعوته كانت قابلة للنجاح والفشل، وقد تكون للفشل أقرب، لاسيما وأنها توصف بالغلو وهذا مما يقلل من أهمية هذا التنازل.
ب - عرف أبو هاشم أنه لا أمل له في الوصول إلى الخلافة، بعد أن عرف قرب أجله، ولم يسعفه الوقت في حرية اختيار شخص آخر ووجد أفضل الخيارات في تلك اللحظة هو محمد بن علي.
ج - كما أن أبا هاشم لم يكن له ولد يخلفه ,فيوصي له بالأمر من بعده.
د - كان بين أبي هاشم ومحمد بن علي العباسي علاقات ودية ولقاءات علمية وصداقة قوية، الأمر الذي ساعد على تنازل أبي هاشم لمحمد هذا.
هـ - كان أبو هاشم قد عرف كبار شيعته ودعاته من أهل العراق وخراسان بمحمد بن علي العباسي أثناء ترددهم عليه، كما أخبرهم أن الأمر صائر إليه بعد وفاته، كما تزعم بعض الروايات.
و - لما عرف عن محمد بن علي العباسي من رجاحة العقل والدهاء، وحسن التدبير والتصرف....،
فقد كان أبو هاشم كثيراً ما يستعين بآرائه حول موضوع الدعوة والدعاة، كان محمد بن علي قد عرف برجاحة العقل وسعة الذكاء، ومعرفته بأحوال الرجال والديار وقد استفاد من الأحداث التي جرت في عصره، وبالأخص ما وقع بين أبناء عمه العلويين والأمويين في صراعهم الدامي من أجل الخلافة، فقد درس أسباب الفشل والنتائج لهذه الأحداث، واستغل ما حصل من القتل والتشريد على إثر ذلك.
ولما علم كبار الشيعة العلوية في العراق وخراسان بموت زعيمهم عبد الله بن محمد (أبو هاشم) وانتقال الدعوة إلى محمد العباسي، ساروا إلى الحميمة للتعزية بوفاة إمامهم عبد الله ولتهنئة إمامهم الجديد محمد بتوليه قيادة الدعوة " دعوة آل البيت " ومبايعته وتقديم العهد له، ببذل أموالهم وأنفسهم من أجل نجاح هذه الدعوة،
وقد رأى محمد بن علي العباسي صدق هؤلاء الأنصار – وتحمسهم ولمس حبهم لآل البيت، وكرههم لبني أمية وتمنيهم لزوالهم.
--------------------------------------------------------------------
🔸 المشروع العباسي في المرحلة السرية
عندما نتأمل في مفردات المشروع العباسي في المرحلة السرية نلاحظ أنه يتكون، من قيادة حكيمة، وهيكل تنظيمي واضح المعالم، ومرجعية شرعية وتاريخية، ومبادئ قام عليها المشروع، وقدرة فائقة على التخطيط، ولقاءات دورية بين القيادة، والدعاة والنقباء، وكان المشروع العباسي قد استهدف شرائح من المجتمع عانت من ظلم الأمويين مع الأخذ بالجانب الأمني والاهتمام بالبعد الاقتصادي والإعلامي .
-------‐--‐---------‐-------
🔹 قيادة محمد بن علي العباسي للدعوة
تسلم محمد بن علي العباسي التنظيم السري من أبي هاشم وبدأ مسار التنظيم الجديد يتغير عن القديم في بنيته الفكرية والاجتماعية وغيرها ولكن كان ذلك مع التدريج وقد توفرت صفات الزعامة في شخصية محمد بن علي، من قيادة واعية، وقدره على التخطيط الصحيح،
وقد برهن على عبقرية فذة في التنظيم والتخطيط للدعوة، مع قناعة الإتباع بزعامته الروحية والعلمية, وقد استطاع محمد علي العباس أن يحكم قبضته على أمور الدعوة من خلال جهاز بالغ الدقة في التنظيم والإدارة وقد استمر في عمله السري حتى وفاته عام 125ه .
وهناك من العلماء من يرى أن تنظيم الدعوة العباسية قام على ثلاثة أفراد من البيت العباسي لم يقدر أن ينالوا ثمرة غرسهم، وأولهم علي بن عبد الله بن عباس الذي رأس الدعوة أكثر من عشرين سنة، وهو الذي نظم الدعاة والنقباء في كل العراق وخراسان، وولي أمر الدعوة بعده ابنه محمد بن علي ثم ابنه إبراهيم .
----------------------------
🔹الهيكل التنظيمي
انتقل محمد بن علي بعد دراسة وتفكير إلى تنظيم الدعوة تنظيماً محكماً ورسم لكبار الدعوة الطريق الذي سوف يسيرون عليه للوصول بالدعوة إلى غايتها، وكان ذلك في تمام المائة الأولى من الهجرة النبوية الشريفة،
وجعل محمد بن علي العباسي الدعوة تتحرك في ثلاثة محاور، فقد جعل قرية الحميمة مكاناً للتخطيط والدراسة، فهي المركز الأول للدعوة والكوفة للإشراف على الدعوة، ولنقل تعاليم الإمام الصادرة من الحميمة إلى الدعاة في خراسان.
وأما خراسان، فقد أصبحت مسرحاً للدعوة، كما أصبحت فيما بعد منطلقاً للعمل العسكري، وقد أكد محمد علي العباسي لقادة الدعوة، عدم ذكر اسمه، وأن تكون دعوتهم غاية في السرية،
👌 فهو يقول لأبي عكرمة السراج عندما أرسله إلى خراسان : فلتكن دعوتكم إلى الرضا من آل محمد، فإذا وقعت بالرجل في عقله وبصيرته فاشرح له أمركم ... وليكن اسمي مستوراً عن كل أحد، إلا عن رجل عدلك في نفسك ... وتوثقت منه وأخذت بيعته.
كما حذر محمد بن علي دعاته من أهل الكوفة قائلاً : ولا تستكثروا من أهل الكوفة، ولا تقبلوا منهم إلا أهل النيات الصحيحة )،
واحتاط لنفسه أن يبعد الشكوك التي تحوم حول الحميمة، فقد جعل دعاة خراسان يتصلون بالكوفة بدل الحميمة، حتى لا يلفت أنظار الأمويين فينكشف أمره.
ولضمان السرية التامة لدعوته، فقد أمر كبار دعاته بأن يسلكوا في طريقهم إليه الطرق الرئيسية وأن يحاولوا التستر بزي التجار، كما يقللون التردد على الحميمة ما أمكن، واختار أبو عكرمة السراج بعد ذلك اثنى عشر نقيباً هم.
(1) سليمان بن كثير الخزاعي.
(2) مالك بن الهيثم الخزاعي أبو عيينة.
(3) طلحة بن رزيق الخزاعي.
(4) عيسى بن أعين الخزاعي مولى لخزاعة.
(5) عمرو بن أعين أبو الحكم، مولى لخزاعة.
(6) لا هز بن قريظ التميمي.
(7) موسى بن كعب التميمي أبو علي.
(8) عيسى بن كعب التميمي.
(9) القاسم بن مجاشع التميمي أبو نصر.
(10) خالد بن إبراهيم، أبو داود، من بني عمرو بن شيبان بن ذهل.
(11) شبل بن طهمان الربعي أبو علي الهروي الشيباني.
(12) قحطبة بن شبيب الطائي، أبو حمزة.
وهؤلاء هم رؤساء النقباء هم الذين يعرفون شخصية الإمام وأسرار الدعوة،
ويأتي بعد هؤلاء : نظراء النقباء وعددهم كعدد النقباء،
ونظير النقيب يخلف النقيب في حالة سفره، أو وفاته،
ثم يأتي بعد ذلك : الدعاة وعددهم سبعون داعياً، ثم يليهم دعاة الدعاة وعددهم ما يقارب من 36 داعياً،
ونظم محمد بن علي العباسي الدعاة تنظيماً دقيقاً يوحي بأنها دعوة دينية كدعوة الأنبياء والرسل – عليهم السلام –
وبمقتضى هذا التنظيم الدقيق السري توزع الدعاة في العراق وخراسان،
حيث وجه للكوفة ميسرة العبدي ( 102 – 105)هـــــ وخلفه بعد ذلك بكير بن ماهان ( 105 - 127ه).
ثم أبو سلمة الخلال ( 1027 - 132 ه.
وأما دعاة خراسان فقد وجه ثلاثة دعاة دفعة واحدة هم : محمد بن خنيس، وحيان العطار، وأبو عكرمة زياد بن درهم – وهو أبو محمد الصادق،
وهؤلاء هم رؤساء الدعوة العباسية في الكوفة، وخراسان، ويسمون – أيضاً - رؤساء النقباء ..
وأراد أبو عكرمة السراج أن يعّرف الإمام على مدى تقبل وفرح أهل خراسان بدعوتهم ودعوة آل البيت، فطلب من زعمائهم أن يكتبوا للإمام محمد بن علي بما يؤكد له إيمانهم وإخلاصهم وحبهم لهذه الدعوة التي تهدف إلى خلاصهم من ظلم الأمويين – كما يرون ذلك – فأرسلها إلى الكوفة حيث ميسرة العبدي الذي دفعها بدوره إلى محمد بن علي في الحميمة، ففرح بها واستبشر وسره أن ذلك أول مبادئ الدعوة.
وأوصى محمد بن علي الدعاة أن يقضوا حوائجهم بالكتمان، وأن يكون ظاهر عملهم التجارة وغايتهم الدعوة إلى آل البيت قائلاً : انطلقوا أيها النفر فادعوا الناس في رفق وستر، فإني أرجو أن يتم الله أمركم، ويظهر دعوتكم ولا قوة إلا بالله..
ثم قال لهم : فإن سئلتم عن اسمي فقولوا نحن في تقيه وقد أمرنا بكتمان اسم إمامنا. وأرسل محمد بن علي دعاته في الآفاق، يدعون الناس سراً، ظاهر أمرهم الاشتغال بالتجارة وباطنه الدعوة للرضا من آل البيت، واصفين إياه بالتقى والصلاح والزهد والورع، وأن غايته تطبيق شرع الله، شعاره العدل والمساواة، ويحق الحق ويبطل الباطل، وسيملأ الدنيا صلاحاً وعدلاً، كما ملأها بنو أمية فسقاً وجوراً – كما يدعون
واستخدم الدعاة مهنة التجارة يستترون وراءها لنشر الدعوة التي أسندت إليهم، وأخذوا يجوبون البلاد طولاً وعرضاً لاستقطاب أكبر عدد من الناس فكانت مهمتهم أسهل، ومراقبتهم أصعب،
ثم إن هؤلاء الدعاة لم يكونوا من عامة الناس، بل تسلحوا بسلاح الثقافة والمعرفة والإخلاص للدعوة والتفاني في سبيلها، فبذلوا الأموال ولاقوا السجن والقتل والتمثيل، وكانت لديهم الحنكة لاجتذاب الأنصار.
ولم يكن من دعاة بني العباس المشهورين أحد ممن اشتهر بالعلم في ذلك العصر بل أغلب الدعاة كانوا رجال إدارة وأهل قيادة وحرب، كأبي مسلم الخراساني وقحطبة بن شبيب، أو من أهل الشرف واليسار كبكير بن ماهان الذي أغدق على الدعوة بماله، فذكر أنه أنفق في نصرة الدعوة أربع لبنات من فضة ولبنة من ذهب،
وورد أنه الذي اشترى أبا مسلم الخراساني لما رأى صلاحه لأمر الدعوة، وكأبي سلمة الخلال الذي ذكر أنه رجل شهم، سائس شجاع، متمول، أنفق أموالاً كثيرة في إقامة الدولة.
كما أن بعض دعاة بني العباس من الموالي الذي يهمهم القضاء على بني أمية ونجاح الدعوة العباسية التي يرفع قادتها شعار المساواة وإنفاق الموالي. ونلاحظ أنَّ الأكثرية الساحقة من النقباء كانوا عرباً. وقد ذكر الباحثون أسماء وتشكيلات تنظيمية منها :
---------------------------
🔹 كبير للدعاة بالكوفة
عين محمد بن علي العباسي كبيراً للدعاة، وجعل الكوفة موقعاً له ومقاماً، إذ هي أقرب إلى خراسان من الحميمة، وبها شيعة أبي هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية الذين انضموا إلى بني العباس
وكان كبير الدُّعاة مسئولاً عن نشر الدعوة والإشراف عليها بخراسان، فكان يرسل إليها وفود الدعاة، وكان يكتب إلى محمد علي بأنباء الدعوة ويعلمه بأحوالها، وكان يلقاه في موسم الحج، وكان يزوره بالحميمة إذا طرأ طارئ واحتاج إلى أن يعرف رأيه فيه، حتى يأخذ به وينفذه.
وكان الدعاة من أهل خراسان يمرون بالكوفة، ويعّرجون على كبير الدعاة، فيطلعونه على ما بلغوا في بث الدعوة ويشرحون له ظروفها، ثم يمضون إلى الحجاز، فيقابلون محمد بن علي بالمدينة ومكة في موسم الحج، فيؤدون إليه ما اجتمع لهم من أموال، ويُخبُرونه بأخبار الدعوة ويعرضون عليه مسيرتها ومُلابساتها، ويتشاورون في أمرها حتى يستدركوا النقًّص، ويتلافوا الأخطاء، ويُذلَّلوا الصعاب، ويتجنبَّوا الأخطار، تقوية للدعوة ومداً في تيارها وحماية لها من الانهيار ..
فإذا انقضى موسم الحج زوّدهم بتوجيهاته وإرشاداته، ورجعوا إلى خراسان، فواصلوا القيام بأمر الدّعوة وجدَّوا في نشرِها،
قال البلاذري : (كان محمد بن علي يقدم المدينة في كل سنة فيقيم بها الشهر والشهرين، ويُؤتى بالمال فيفرقه)
ومن أشهر من تولى هذا المنصب في التنظيم العباسي بكير بن ماهان فقد استعمله محمد بن علي العباسي بعد وفاة أبي رباح ميسرة النبَّال، فقد جاء إلى محمد بالحميمة وأخبره عن شيعته بالكوفة، وأوصاه محمد بن علي أن يدعو إلى الرضا من آل محمد، ويذكر جور بني أمية، وأن آل محمد أولى منهم بالأمر،
وأوصاه أن يُحذر شيعة بني العباس التحرك في شيء مما يتحرك فيه بنو عمَّهم من آل أبي طالب، فإنَّ خارجهم مقتول، وقائمهم مخذول وليس لهم في الأمر نصيب، وخوّفه جماعة أهل الكوفة وأمره أن لا يقبل منهم أحداً إلا ذوي البصائر، فإنهم لا يُعزُّ به من نصروه ولا يوهنون بخذلانهم من خذلوه.
وكان بكير بن ماهان رجلاً مُفوَّها، فقام بالدُّعاء وتولى الدعوة بالعراقين. وكانت كتب الإمام تأتيه فيغسلها بالماء، ويعجن بغسالتها الدقيق، ويأمر فيُختبز منه قرص، فلا يبقى أحد من أهله وولده إلاَّ أطعمه منه .
وهذا يُشير إلى النفوذ الروحي لمحمد بن علي العباسي على أتباعه ولا شك أن هذا الأمر ساهم بشكل كبير في نجاح الدعوة العباسية، وقد أنفق بكير بن ماهان أموالاً طائلة في نصرة الدعوة.
---------------------------
🔹 دور "الحميمة" القيادي وأهمية العنصر العربي في البناء التنظيمي
وقد أتيح للقيادة العباسية من موقعها في " الحميمة " مراقبة الوضع السياسي عن كثب، والتنبه للثغرات والمشكلات فيه دون أن يكون اختيار خراسان سوى نتيجة لذلك وهي الولاية الأثيرة لدى الأمويين ومركز الخلل في دولتهم المترنحة والصورة الأكثر تعبيراً عنها في صراعاتها وانقساماتها.
على أنه ثمة مسألة هامة هي أن اختيار خراسان لا يعني انصراف العباسيين عن الشام، كما لا يعني التوجه نحو الموالي واستغلال أحقادهم على الدولة الأموية، على نحو ما روّج له المستشرقون في هذا المجال ولكنه جاء محصلة للمعطيات السابقة، فضلاً عن المعطى الجغرافي، متمثلاً في بُعد الولاية عن مركز الدولة،
ذلك أن الدعوة في – أساسها التنظيمي قائم على العرب – وتوجهها الخراساني إنما كان للقبائل العربية اليمنية، القاطنة بأعداد كبيرة في هذه الولاية، هذا إذا لم نتوقف عند عروبة " النقباء " المتحدرين من كبريات القبائل العربية، إذ أن خمسة منهم إلى خزاعة، وثلاثة إلى تميم، واثنين إلى مزينة، فضلاً عن آخرين من طيء وربيعة .. إلخ.
ولا يعني هذا أيضاً، أن يكون لبروز شخصيات من أصل غير عربي في الدعوة، من أمثال أبي مسلم الخراساني وأبي سلمة الخلال، دلالات تخالف هذا الواقع، إذ أن قيادة الدعوة كانت تحكم قبضتها على كل الأمور، من خلال جهاز بالغ الدقة في التنظيم والإدارة، وسرعان ما لجأت إلى التخلص من هذين الرجلين القويين بعد إنهاء دوريهما المرسومين ومحاولة كل منهما تجاوز خطوطه المحددة،
وهكذا في قرية من أطراف الشام تم للعباسيين إخراج مشروعهم إلى حيز التنفيذ، متحالفين مع الوقت، ومتقنين العمل السري، وراصدين ثغرات الحكم الأموي، بما فيها مساوئ الخلفاء وضيق رؤيتهم السياسية، مما حاد بهؤلاء عن الموضوعية واتخاذ المواقف المسئولة، خصوصاً في تلك المرحلة المتأخرة منه، وقد كانت دراستهم العميقة لأسباب النجاح وعوامل إضعاف الأمويين تدرس بحكمة ووعي فائق وذكاء كبير في مركز القيادة بالحميمة.
-------------------------‐--‐------------------‐---------‐----------
#تاريخ_الدولة_العباسية_جواهر (2)

إرسال تعليق