تاريخ دولة المرابطين (11)

 تاريخ دولة المرابطين (11)



-------------------------------------------------------------------
عن يوم الزلاقة يقول صاحب الحلل الموشية :
«ارتاعت قلوبهم، وتجلجلت أفئدتهم، ورأوا النار تشتعل في محلتهم، وأتاهم الصريخ بهلاك أموالهم، وأخبيتهم، فسُقط في أيديهم، فثَنَوْا أعنَّتهم، ورجعوا قاصدين محلتهم،...
فالتحمت الفئتان، واختلطت الملتان، واشتدت الكَرَّات، وعظمت الهجمات، والحروب تدور على اللعين، وتطحن رءوس رجاله، ومشاهير أبطاله، وتقذف بخيلهم عن يمينه وشماله، وتداعى الأجناد والحشم والعبيد للنزال، والترجُّل عن ظهور الخيل، ودخول المعترك، فأمدَّ الله المسلمين بنصره، وقذف الرعب في قلوب المشركين».... ...
-----------
ووجد ألفونسو نفسه محاصرًا من المُسْلِمِين فاضطر للقتال متقهقرًا نحو معسكره المحروق، ولكن يوسف لم يترك له الفرصة لالتقاط الأنفاس، فانقضَّ عليه كالسيل، وقاتل ألفونسو عند ذلك قتال المستميت، ... ...(*1)
" وتسلَّلَ ألفنش تحت الظلام فارًا لا يهدى ولا ينام ومات من الخمسمائة فارس الذين كانوا معه بالطريق أربعمائة فلم يدخل طُلَيْطِلَة إلا مائة فارس والحمد لله على ذلك كثيرًا.
وكانت هذه النعمة العظيمة والمنة الجسيمة يوم الجمعة 12 رجب 479هـ/23 شهر أكتوبر 1086م .. العجمي ".
وأرسل المُعْتَمِد إلى ابنه الرشيد فى إشبيلية يزفُّ إليه البشرى بالنصر
«اعلم أنه التقت جموع المُسْلِمِين بالطاغية ألفونسو اللعين ففتح الله للمُسْلِمِين وهزم على أيديهم المشركين والحمد لله رب العالمين، فأعلم بذلك من قبلك إخواننا المُسْلِمِين والسلام»،.... .... (*2)
--------------------------------------------------------------------
🔸كان لمعركة الزِّلاقَة نتائج مهمة
1- رفع الروح المعنوية لأهل الأَنْدَلُس,و أنقذ الله بها سقوط سَرْقُسْطَة ، وأزاح عن أهل الأندلس كابوس النصارى ومتطلباتهم التى لا تنتهى من الجزية وغيرها.
2- سقطت هيبة ملوك الطوائف أمام رعاياهم خاصَّة أنهم قد هزموا فى بدء المعركة ولولا أن أكرمهم الله بالمرابطين لضاعت الأَنْدَلُس.
3- امتناع الرعية عن دفع الضرائب المخالفة لتعاليم الإسلام وتعلُّقهم بالمرابطين.
4- مهَّدت الزِّلاقَة إلى إسقاط دول الطوائف فيما بعد على يد منقذيهم.
5- ظهور نجم يوسف بن تاشفين والمرابطين فى العالم أجمع.
6- انصياع قبائل المغرب التى كانت مترددة فى ولائها وتنتظر فرصة الوثوب على المرابطين، وبذلك تكون نتيجة معركة الزِّلاقَة أن جعلت تلك القبائل تخلد إلى السكينة وأعلنت ولاءها التام.
7- عمت الأفراح أرجاء العالم الإسلامى فى شرقه وغربه وأعتقت الرقاب وسُرَّ العلماء والفقهاء بهذا النبأ السعيد.
8- أصيب نصارى الإسبان بهزيمة تعيسة أثَّرت فى نفوسهم, وتحطمت آمالهم فى الاستيلاء على أراضى المُسْلِمِين فى الأَنْدَلُس وإبعادهم.
9- جعلت النصارى يُرتِّبون أمورهم ويوحِّدون صفوفهم, ويتنازلون عن صراعاتهم الدَّاخلِيَّة.
--------------------------------------------------------------------
🔸و بعد معركة الزِّلاقَة :
عاد الأمير يوسف بن تاشفين إلى إشبيلية، ودعا رؤساء الأَنْدَلُس إلى اجتماع عام، وطلب منهم الاتفاق والاتحاد ضد عدوهم المشترك الذى نخر فيهم بسبب اختلافهم؛ فأجابه الجميع بقبول وصيته وتحقيق رغبته، وترك ثلاثة آلاف جندى مرابطى للدفاع عن ثغور الأَنْدَلُس بقيادة سير بن أبى بكر. ....... (*).
عدد المؤرخون أسباب رجوع يوسف إلى المغرب وهو لم يجنِ ثمرة الانتصار بعد إلى أسباب منها:
1- وفاة ابنه الأمير أبى بكر الذى استخلفه على سبتة وكان مريضًا.
2- اضطراب الحدود الشرقية بسبب تحالف بنى حَمَّاد مع عرب بنى هلال وحاولوا غزو المناطق الحدودية التابعة للدولة المرابطية.
3- أراد أن يتفقد الولاة والحُكَّام الذين تركهم فى المُدُن والقرى، وينظر فى أمور الرعية.
4- أراد أن يخرج من إلحاح مسلمى الأَنْدَلُس الذين طلبوا منه تعقُّب ألفونسو وجنوده حيث إنه رأى إن قواته لا تستطيع أن تسيطر على كل الأَنْدَلُس لاتساع أراضيها.
5- خشى من إبراهيم بن أبى بكر بن عمر الذى زعم أنه له حق شرعى فى استخلاف والده المجاهد الكبير.
إن التاريخ الإسلامى يؤكِّد أن المعارك الفاصلة فى تاريخ أمتنا المجيد لا تكون إلا لقوم أقاموا الشريعة على مستوى الشعب والجيش والقادة،
إن من أقوى الأسباب على الإطلاق فى نصر الله للمرابطين هو تمسكهم وتحكيمهم للقرآن والسنة على مستوى شعبهم ودولتهم وجيشهم وقائدهم .
-------------------------------------------------------------------
😢 الأندلـــــس بعد الزلاقــــــة
بعد رجوع يوسف بن تاشفين إلى المغرب تولى قيادة المرابطين في الأندلس القائد الميدانى سير بن أبى بكر, الذى واصل غاراته الناجحة مع أمير بطليوس على أواسط البرتغال الحالية مما يلى تاجة، وقد أثخنتْ قواتُه مع قوات المرابطين فى تلك البقاع.
كما وجَّه المُعْتَمِد بن عَبَّاد ضربات موفقة بقيادته إلى عدة مُدُن حول طُلَيْطِلَة, ثم اتجه نحو أرض مرسية، حيث استقرَّت جموع الفرسان النصارى بقيادة الكنبيطور فى أحد الحصون القريبة التى تشن غاراتها على مُدُن المسلمين, خاصة مدينة ألمرية,....
إلا أن المُعْتَمِد انهزم واضطرَّ أن يلتجئ إلى قلعة لورقة فى كنف واليها مُحَمَّد بن ليون, ثم توجه نحو قرطبة تاركًا مرسية لمصيرها.
وبدأت قوات النصارى تتجمع حول ألفونسو الذى أربك مُدُن شرق الأَنْدَلُس, متخذين من حِصن لييط المنيع الواقع على مسيرة يوم من لورقة مركزًا لشنِّ الغارات على أراضى المُسْلِمِين.
فلم يمض عام واحد على هزيمة ألفونسو حتى عاد نشاطه وجيشه, ونقل مقر العمليات إلى شرق الأَنْدَلُس الذى خيمت عليه الفرقة السياسية, بعكس غرب الأَنْدَلُس الذى كانت تحكمه مملكتان قويتان هما مملكة إشبيلية وبطليوس, تعضدهما فرقة من المرابطين قوامها ثلاثة آلاف رجل على رأسها القائد العظيم سير بن أبى بكر . ....(*3).
تأذى مسلمو شرق الأَنْدَلُس من غارات النصارى الحاقدين فتوافدت وفودهم على الأمير يوسف, وخصوصًا أهل بلنسية ومرسية ولورقة, يصفون للأمير يوسف ما نزل بهم على أيدى النصارى الذى يتحكمون فى حصن لييط.
وعبر المُعْتَمِد المجاز إلى المغرب وطلب من يوسف العبور، فاستجاب يوسف لرغبته، وتمَّ جواز يوسف إلى الجزيرة الخضراء فى ربيع الأول سنة 481هـ/ 1088م,
ومن هناك كتب الأمير يوسف إلى جميع أمراء الأَنْدَلُس يدعوهم إلى الجهاد، ثم تحرَّك الأمير يوسف إلى مالقة فى صحبة أميرها تميم بن بلقين،...
كما لحق بهما الأمير عبد الله بن بلقين صاحب غرناطة, والمعتصم بن صمادح، فضلاً عن المُعْتَمِد بن عَبَّاد، بالإضافة إلى أمراء مرسية وشقورة وبسطة وجيان، ولم يتخلف من ملوك الطوائف سوى ابن الأفطس صاحب بطليوس .
وتوجهت تلك الجموع لضرب الحصار على حصن لييط الذى كان يسكنه ألف فارس واثنا عشر ألفًا من المشاة من جنود النصارى الحاقدين أصحاب النزعة الصليبية الانتقامية،
واستبسل النصارى فى الدفاع عن الحصن وكانوا يخرجون ليلاً للانقضاض على المُسْلِمِين وإلحاق الخسائر بهم.
واستمرَّ الحصار بدون جدوى وظهرت صراعات ملوك الطوائف فيما بينهم ووصلت للأمير يوسف الذى ساءه ذلك كثيرًا.
وشكى المُعْتَمِد بن عَبَّاد للأمير يوسف خروج ابن رشيق صاحب مرسية عن الطاعة ودفعه الأموال لألفونسو السادس تقربًا إليه، وظهرت المشاكل بين أبناء بلكين عبد الله وتميم للأمير يوسف، وكأن لا عمل له إلا حل المشاكل والمنازعات بين الأطراف المتنازعة.
وتضايق الأمير يوسف من خيانة ابن رشيق الذى دفع أموالاً طائلة لألفونسو, وعرض الأمر على الفقهاء والعلماء الذين أفتوا بإزاحته من حكمه وتسليمه للمُعْتَمِد، واستغاث ابن رشيق بالأمير يوسف الذى أجابه بأنَّها أَحكام الدِّين ولا يستطيع مخالفتها .....(*4).
وأمر يوسف القائد سير بن أبى بكر باعتقاله وتسليمه للمُعْتَمِد مشترطًا عليه إبقاءه حيًّا . .... ....(*5).
وكان لفتوى الفقهاء عند قادة المرابطين مكانة عظيمة يضعونها فوق كل اعتبار.
فرَّ جيش ابن رشيق من المعركة، ومنع الزاد على جيش المرابطين ومَن معه من الأَنْدَلُسيين الذين يحاصرون الحصن، فارتفعت الأسعار، ووقع الغلاء واضطربت الأحوال، وعندما علم ألفونسو بالخلافات التى وقعت حشد جيشًا من أجل فك الحصار عن أتباعه فى حصن لييط،....
فاضطرَّ الأمير يوسف إلى فك الحصار خوفًا من معركة خاسرة غير مأمونة النتائج خاصة بعد الذى رآه من حُكَّام الأَنْدَلُس وتآمرهم واتصالهم بالعدو، ورجع الأمير يوسف إلى لورقة وترك أربعة آلاف مرابطى بقيادة داود ابن عائشة للمحافظة على منطقة مرسية وبعث بجنود إلى بلنسية بقيادة مُحَمَّد بن تاشفين .....(*6).
واستطاع ألفونسو الوصول للحصن وأخرج من نجا من الموت، ورأى أن لا فائدة من الاحتفاظ بالحصن, لأنَّه يتطلب حماية كبيرة معرضة لمصير سابقاتها فقرَّر إخلاءه وتدميره, واسترجع ابن عَبَّاد الحصن بعد أن أصبح أطلالاً.
-------------------------------------
😐 لقد أيقن الأمير يوسف إن أمراء الأَنْدَلُس لا يصلحون للحكم ولا يعتمد عليهم فى جهاد، وبعد رجوع الأمير يوسف فى عام 482هـ/1089م عرض الأمر على الفقهاء والعلماء فأفتوا له بضم الأَنْدَلُس للمغرب.
وكان فقهاء وعلماء الأَنْدَلُس يؤيدون ذلك، وكذلك فقهاء وعلماء المغرب والمشرق، وأرسل الإمام الغزالى وأبو بكر الطرطوشي (*7) فتوى تؤيد عمله الجليل من أجل توحيد صفوف المُسْلِمِين.
يقول الغزالي فى شأن أمراء الطوائف: فيجب على الأمير وأشياعه قتال هؤلاء المتمردة ولا سيما وقد استنجددوا بالنصارى ... ...(*8)،
فقد أفتاه العلماء بجواز خلعهم وإزاحتهم، وبأنه فى حل مما تعهد لهم به من الإبقاء عليهم في جوازه الأول، لأنهم خانوا الله بمعاهدتهم ألفونس على محاربة المسلمين؛
وبالتالي فإن عليه أن يبادر إلى خلعهم جميعًا، فإنك إن تركتهم وأنت قادر عليهم، أغاروا بقية بلاد المسلمين إلى الروم وكنت أنت المحاسب بين يدي الله . ....(*9)،
وكان ممن استفتى في هذا الموضوع الفقيه يوسف بن عيسى المعروف بأبي الملجوم . ....(*10).
وطلب القضاة والفقهاء من يوسف أن يرجع ويوحد البلاد بالقوة، لتدخل تحت الخلافة الإسلاميَّة فى بغداد.
لقد كان ملوك الطوائف يهتمون بمصالحهم الخاصة لا ينظرون إلى عزة أمتهم حتى وصفهم ابن حزم بقوله: «لو وجدوا فى اعتناق النصرانية وسيلة لتحقيق أهوائهم ومصالحهم لما ترددوا » .... ..(*11).
وكان المُسْلِمُون فى الأَنْدَلُس يتمنون أن ينضموا إلى دولة المرابطين, وعبَّر عن ذلك فقهاؤهم وعلماؤهم وبرز الفقيه القاضى ابن القلاعى «قاضى غرناطة», الذى توطدت العلاقة بينه وبين يوسف بن تاشفين منذ ذهاب أول بعثة إلى المغرب لطلب النجدة، إذ كان أحد أعضائها, وكان يرى فى الأمير يوسف صلاحًا وعدلاً وحزمًا.
حاول الأمير عبد الله ابن ملك غرناطة أن يتخلص منه فاعتقله, ثم اضطر إلى إطلاق سراحه، فهرب إلى قرطبة، ومن هناك اتصل بالأمير يوسف وأطلعه على خفايا من الأمور، وأفتى بخلع ملوك الطوائف, وتفاعل مسلمو الأَنْدَلُس مع هذه الفتوى الموفَّقَة ..... ......(*12).
--------------------------------------------------------------------
(*1) الحلل الموشية مجهول المؤلف ص59.
(*2) انظر: الحلل الموشية، ص (45-47).
(*3) تاريخ المغرب والأندلس, ص (62).
(*4) مذاكرات الأمير عبد الله, ص (112).
(*5) انظر : دولة المرابطين، ص (108).
(*6) ابن خلدون, العبر، (ج6، ص 187).
(*7) المصدر السابق نفسه.
(*8) رسائل أبي بكر بن العربي ، تحقيق د.عصمت دندش ص 198.
(*9) الاكتفاء لابن الكردبوس ص (106).
(*10) الأثر السياسي للعلماء في عصر المرابطين، محمد بن بيّه ص (155).
(*11) رسالة ابن حزم, نقلاًً عن دول الطوائف, محمد عبد الله عنان, ص (406).
(*12) دولة المرابطين، ص (113).
----------------
☆انظر : راغب السرجاني - قصة الأندلس - نتائج الزلاقة
☆ الصلابي فقه التمكين لدولة المرابطين ص 85-75
--------------------------------------------------------------------
قد تكون صورة ‏‏نصب تذكاري‏ و‏نص‏‏
كل التفاعلات:
Hoseeny Ebrahem، وAhmad Shredah و٩٥٦ شخصًا آخر

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم

التاريخ الاسلامى

2/recent/post-list