تاريخ دولة الموحدين (14)

 تاريخ دولة الموحدين (14)



--------------------------------------------------------------------
🔸 مازلنا في عهد الخليفة "الثاني" يوسف بن عبد المؤمن و هو ثالث حكام دولة الموحدين بدء من ابن تومرت .
--------------------------------------------------------------------
🔹️ آخر ما سبق :
كانت سياسة أبي يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن تجاه الأندلس تدور على استكمال السيادة الموحدية على الاندلس، ولذلك استهدفوا كل الإمارات الخارجة عن سيادتهم من أجل ادخالها تحت نفوذهم ؛ و العمل على الحد من أطماع الممالك والأمارات الأسبانية. والمساهمة في ازدهار الحضارة الإسلامية في الاندلس.
إلا أن الثورات العنيفة التي تعرضت لها دولة الموحدين اثخنتها وكانت حركة التمرد التي قادها محمد بن مردنيش في شرق الاندلس من أعنفها.
وكان لابن مردنيش تصرفات طائشة تكاد لا تصدر إلا عن رجل مجنون . ومنها أنه قتل وزيريه ابني الجذع بالجوع ، إذ بنى لهما بناء ورماهما فيه ومنع عنهما الأكل حتى ماتا .
كما أنه قتل أخته وطفلها إغراقاً في البحر ، وارتكب الكثير جدا من أمثال هذه الأعمال ، ولذلك امتلأت منه النفوس رعبا وخاصة أقرب الناس إليه ، ...
وتوالت النكبات على ابن مردنيش ، ولم يخلصه من مأساته إلا موته المفاجئ عام 567 هـ وهو لم يتجاوز من العمر الثامنة والأربعين . وبموته قدم آل محمد بن سعد بن مردنيش طاعتهم للموحدين ، وبذلك آل حكم شرق الأندلس كله إلى الموحدين وبذلك شملت سيادتهم كل الأندلس الإسلامية .
وقد استطاع ابن مردنيش ان يقف فترة طويلة امام الموحدين وأن يستولي على الكثير من القواعد المهمة التي كانت في أيديهم وأن ينزل بهم الخسائر الفادحة،..
كانت مقاتلة ابن مردنيش الطويلة للموحدين ، واستنزافه للكثير من جهدهم ورجالهم ووقتهم ، كانت إحدى البذور التي أضعفت دولة الموحدين منذ قيامها .
وفي عام 559 هـ - 1164 هـ قامت قبائل صنهاجة بالثورة ضد خليفة الموحدين يوسف بن عبدالمؤمن وتزعم تلك الثورة مرزدغ الصنهاجي وانضمت إلى تلك الحركة بطون من صنهاجة وغمارة وأورية وقام الثوار بمهاجمة النواحي ودخلوا تازا ، حيث قتل رجالها وسبي نساءها واحتويت أموالها .
وخرج لهم الخليفة الموحدي على رأس جيوشه الجرارة للقضاء عليها .. وفي الثالث من شهر رمضان من سنة اثنين وستين وخمسمائة تمكن الموحدون من انزال الهزيمة بقبائل غمارة وادخالهم في طاعتهم .
و ظلت جيوش الموحدين تلاحق المتمردين من الثوار حتى استطاعت أن تلقي القبض على سبع بن منحفاد ثم قتل وصلب ليكون عبرة لغيره وكان ذلك في عام 562 هـ .
وفي سنة (563 هـ) ،التهبت ثورة أخرى وقعت بجبل تاسررت في المغرب الأقصى ونواحيه وجرد جيش موحدي قوي إلى الثوار ، بقيادة السيد أبي حفص عمر ، تمكن من إخماد الثورة والقضاء على رؤوسها .
بعد ذلك هدأت الأمور في دولة الموحدين بعض الوقت وهدأت البلاد ، سواء في المغرب أو الأندلس ، ودخلت دولة الموحدين في فترة من الهدوء عمها الإطمئنان والراحة ، فانتعشت الزراعة والصناعة وراجت الحركة التجارية.(*1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
🔸️ وفي عام 575 هـ شبت ثورة ابن الرند في قفصة؛ واستطاع علي بن المعز بن المعتز الرندي أن يتخلص من حكم الموحدين في قفصة ..
وقد ساعدته عدة أسباب في تحقيق هدفه منها ، ما فعله قراقوش التقوى من أعمال ضد سيطرة الموحدين ونجاحه في الإستيلاء على الكثير من البلاد من أيدي الموحدين ..
وكان قراقوش هذا مرسل من قبل الأيوبيين في مصر لضم ما يمكن ضمه للدولة الأيوبية السنية الخاضعة للخلافة العباسية في بغداد وكما أن الإنشغال الذي حدث للموحدين بسبب الثورات في الأندلس والمغرب الأقصى شجع ابن الرند وأهل قفصة في السعي من اجل التخلص من الهيمنة الموحدية المتعصبة لمذهب وعقيدة ابن تومرت المنحرفة ..
ولذلك اهتم الموحدون بأمر هذه الثورة ، وخاصة وأن قراقوش التقوى اشتهر صيته في أفريقية وقوي سلطانه وتحالفت معه قبائل من بني هلال وبني سليم ، فخشيت دولة الموحدين من اندلاع الثورات وانتشار اعمال التمرد ومن حدوث تحالف ثلاثي في المغرب الأوسط والأدنى بين ابن الرند وقراقوش وقبائل بني هلال وسليم ..
ولذلك بادر خليفة الموحدين يوسف بن عبدالمؤمن بالخروج على رأس جيش من مراكش في عام 575 هـ واستطاع يوسف بن عبدالمؤمن أن يحتل قفصة في عام 576 هـ ..
ثم أخذ الخليفة بعد ذلك في المرور على بعض ولايات أفريقية ومدنها ، ليتفقد احوالها ويطمئن عليها ، وبعد ان رتب الخليفة أمور افريقية رجع إلى قاعدة حكمه وبمعيته قائد ثورة التمرد على ابن الرند الذي لجأ الى الخليفة مستسلما وتائبا وطالبا للعفو عند حصار الموحدين لمدينة قفصة (*2).
👌 لقد ساهمت الثورات التي حدثت ضد دولة الموحدين في تشجيع ملوك وامراء الأسبان ، على الطمع في دولة الموحدين ، وأحيت فيهم روح القتال والحرب التي كادت تنتهي في عهد عبدالمؤمن بن علي ولذلك تجددت روح العداء للموحدين من جديد (*3) .
🔹️ غزوات يوسف بن عبد المؤمن الموحدي لبلاد الأندلس
لما استتب الأمر ليوسف بن عبدالمؤمن في بلاد المغرب ، انصرف إلى الجهاد في الأندلس وكان أول عبوره لمضيق جبل طارق إلى أسبانية في صفر سنة( 655 هـ/1171م) ،
واستطاع ان يوجه ضرباته الشديدة الى إبن سعد بن مردنيش الذي توفى عام 567 هـ فتنازل أبناؤه على أملاكهم كلها للموحدين، ...
وتفرغ بذلك أبو يعقوب يوسف إلى حرب النصارى ، ومكث في الأندلس أربعة أعوام ، نظم خلالها عدة غزوات ضد النصارى ، حقق فيها نجاحات رائعة ، ثم عاد إلى مراكش عام (571 هـ/1176م) بعد أن بنى جامع أشبيلية، وأدخل الماء إليها وأقام جسرا على واديها .
واستمرت الحرب بين المسلمين والنصارى في الأندلس على شدتها ، برية وبحرية ولما رأى أبو يعقوب يوسف ضآلة النتائج التي أحرزتها قواته في جهاده ضد النصارى ، عبر مرة أخرى إلى الأندلس في صفر (580 هـ/ 1184م) ..
وهذه المرة صمم على قتال مملكة البرتغال التي كانت أشد الأعداء على المسلمين ووضع خطة تقضي أولا بمهاجمة مملكة البرتغال من البر والبحر ، ثم الزحف على ضفاف نهر التاجة إلى قلب مملكتي قشتاله وليون ،
بينما اقتضت الخطة أن ستشغل قوات اسلامية أخرى تزحف من الجنوب قوات النصارى القشتالية والليونية ، وساعده في تحقيق خطته حشوده الضخمة ، وقوات مسلمي الأندلس .
سار أبو يعقوب يوسف على رأس الجيش الرئيسي متجها إلى بطليوس ، معتزما حصار اشبونة ، وكان عليه قبل أن يتمكن من محاصرتها بنجاح ، أن يستولي على قلعة شنترين الواقعة على مقربة منها على ضفة نهر التاجة اليسرى ، ..
وعلى ذلك فما كاد يعبر نهر التاجة بجيشه ، حتى ضرب الحصار حول قلعة شنترين مؤملاً أن تسقط في يده قبل مقدم الأسطول الذي خصص لمحاصرة أشبونة من جهة البحر.
وبعد أحد عشر يوما من حصار شنترين بدأ يضربها بآلات الحصار ولم تمض ثلاثة أيام على مهاجمة المدينة ، حتى استولى ابو يعقوب عليها ، خلا قلعتها ، وذلك في 22 ربيع الأول (سنة 580 هـ )،
وكان أبو يعقوب يتولى القيادة بنفسه معتبرا القادة الذين معه آلات صماء لتنفيذ مشيئته ، وكان ذلك يسبب المرارة الشديدة في نفوس أولئك القادة المجربين ، فاعترضوا على تحويل المعسكر من شرقي شنترين إلى شماليها وغربيها ، حيث يتعرض الجيش بذلك إلى خطر التطويق من جانب الأعداء ..
ولكن إرادة أبي يعقوب يوسف هي التي نفذت دون سواها ، فكان الخطر ولما دخل الليل أمر ابو يعقوب ولده إسحاق والي أشبيلة ان يبكر في صباح اليوم التالي بالسير في قوات الأندلس والقيام بالهجوم في اتجاه أشبونة، وذلك لكي يحمي الهجوم على قلعة شنترين من التعرض للمفاجأة ، فهل وقع سوء فهم ، أم كانت ثمة فتنة؟
إن أبا إسحاق سار في الليل بدلا من أن يسير في الصباح ، وبدلا من أن يسير في اتجاه اشبونة عاد فعبر نهر التاجة وسار بقوات الأندلس في اتجاه اشبيلية وما كاد هذا النبأ يذاع بين بقية الجيش، حتى انتشر الإضطراب والروع في أنحاء المعسكر الإسلامي ،
وتفاقم الأمر ، حيث زحف سانشو إبن ملك البرتغال على شنترين ليلا في جيش يبلغ خمسة عشرة ألف مقاتل ، وفي تلك الأثناء كان ابو يعقوب قد شرع في تنفيذ خطته لمهاجمة مدينة الكوبازة ، بيد أنه حينما تحول بمعسكره إلى المواقع الجديدة ، ألقى بنفسه أمام الجيش البرتغالي وجها لوجه .
وكان تغيير مواقع المعسكر الذي أمر به أبو يعقوب ، خلافا لنصح قواده ، ووجود الجيش البرتغالي في مركز يهدد المسلمين ومسير القوات الأندلسية الى ما وراء نهر التاجة ، وهو ما بدا كأنه أمر غير طبيعي ، ..
وأخيرا ذيوع نبأ ما لبث أن تأيد بمقدم جيش آخر من النصارى أعظم من سابقه ، كل هذه الأمور بثت في معسكر الموحدين نوعا من الرعب العام ، ترتب عليه ان غدت أوامر أبي يعقوب لا قيمة لها .
وفي صباح اليوم التالي وصل جيش من النصارى يبلغ عشرين ألف مقاتل ، وانضم إلى جيش البرتغال الذي يقوده ولي العهد سانشو ، وبادر النصارى بمهاجمة الموحدين وهم في اضطرابهم واختلال نظامهم ، وساعدت حامية القلعة شنترين جيش النصارى بالخروج من القلعة ، ومهاجمة المسلمين(*4)
ولما كان قسم كبير من الموحدين قد عبر نهر التاجة ، فإنه لم يبقى لدى أبي يعقوب سوى حرسه الخاص ، وقليل من القوات الأخرى، وقوافل العتاد والمتاع التي لم تستطع لحاقا بباقي الصفوف .
ورأى زعيم الموحدين وهو يضطرم سخطا ، انه وقع ضحية خيانة ، أو ضحية سوء تفاهم، لقد وجد نفسه أمام الأعداء وخاض معركة كانت كفة النصارى فيها أرجح فقد قتل حرس أبي يعقوب وحمل ابو يعقوب على النصارى بسيفه وقتل ستة من الرجال ،واخيرا طعنه أحد النصارى بسيفه طعنة نافذة فسقط على الأرض ملطخا بدمائه (*5).
ولما بلغ خبر اشتباك الخليفة مع النصارى رجع الأمير أبو اسحاق بقواته وهاجم بها النصارى وسالت دماء الفريقين غزيرة ، فتح المسلمون في نهايتها قلعة شنترين ..(*6).
استشهد ابو يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن في 12 ربيع الأول 580هـ/24أيار (يوليو) سنة 1184م وكانت مدة حكمه اثنين وعشرين عاما .
لقد حمل الجنود خليفتهم إلى اشبيلية ، وأرسل منها في تابوت إلى تينملل حيث دفن بجوار أبيه عبدالمؤمن (*7).
🔹️ أسباب فشل أبي يعقوب يوسف في توحيد الأندلس
لم يستطع السلطان يوسف عبدالمؤمن أن يحقق نصرا حازماً على النصارى في الأندلس لعدة أسباب منها :
1- لم تكن قيادة يوسف بن عبدالمؤمن قد وصلت الى درجة النضج العسكري والسياسي ولذلك نجده يحشد الجيوش الكبيرة التي تحتوي على عناصر مختلفة من قبائل بني هلال وسليم وقبائل الموحدين ومقاتلة الأندلس والجند الموحدي ..
ولم يكن لهذا الجيش خطة مرسومة يسير علهيا ، كما حدث عند غزوه لمدينة وبذة عام 567 هـ حيث كان قرار الغزو جاء متأخرا عن وقت وصوله الى الأندلس بقرار فردي من الخليفة الموحدي والذي كان هو صاحب الرأي النهائي والقاطع في إدارة قيادة الجيش ..
وكان من سماته أخذه للقرارات بسرعة مذهلة وبدون ترو أحيانا فهو قرر ان تكون وجهة حملته الكبيرة مدينة ونده ، بمجرد اقتراح وفد شرق الأندلس ذلك عليه ، ..
ثم انه اثناء مسيره الى وندة ، غير وجهة مسيرة الجيش لافتتاح حصني بلج والكرسي وذلك لمجرد اقتراح ابن همشك عليه بذلك .
2- ومما يعيب كفاءة خليفة الموحدين ، عدم تقديره للظروف وعدم قدرته على الوصول إلى هدفه من أيسر الطرق وعلى سبيل المثال ما حدث من رفضه لعرض أهل مدينة ونده تسليم مدينتهم مقابل حصولهم على الأمان وكان من المشرّف له أنه قبل هذا العرض وحصل على المدينة بدون أي جهد كان.
3- كانت للخليفة الموحدي ميولات فكرية طغت على الاهتمامات العسكرية والسياسية ولذلك نجد الخليفة الموحد بدلا من ان يكون مشرفا على تسيير دفة المعارك وهو القائد الوحيد والمسؤول الأول ، مشغولا بمناقشة مسائل فكرية لا تمت إلى المواقف العسكرية بصلة ،
فعندما كانت جيوش الموحدين تحاصر مدينة وندة جاءه احد قادة الوحدين وطلب من الخليفة امداده ببعض الجند حتى يتمكن من احراز النصر ، لم يلتفت إليه واستمر في مناقشة تلك المسائل ..(*8) .
4- لم يكن ولاء المسلمين قوي لدولة الموحدين ولذلك كلما تحين فرصة للطعن فيها والثورة عليها يستغلهاخصومهم الذين تعرضوا للظلم والقهر من زعماء الموحدين .
5- انتشار الخيانة في اداء الواجب والتعدي على اموال الدولة من قبل الولاة في عهد يوسف بن عبدالمؤمن ولذلك اضطر الخليفة لمحاسبة الولاة ومعاقبة الجناة في الاموال التي اغتصبوها ونفيهم من البلاد..
ووصل الامر بالبعض إلى أن أنزل بهم عقوبة الإعدام ، لقد شمل ظلم الولاة الكثير من رعايا الدولة وتولدت قاعدة عريضة من المجتمع تعارض سياسة الولاة الظالمة القمعية وواصلوا جهادهم السلمي بمطالبة الدولة بمحاسبة بعض الولاة ..
واضطر الخليفة لمحاسبة بعض مسؤولي الدولة ومن أشهر هذه الحوادث محاسبة محمد بن أبي سعيد مسؤول الأعمال المخزنية في اشبيلية وثبتت عليه خيانته للدولة فصودرت أمواله وممتلكاته وامتحن في نفسه طويلا ثم ضرب عنقه وكان ذلك عام 573 هـ . (*9).
6 - انتشار الطاعون في المغرب والأندلس في زمن يوسف بن عبدالمؤمن في عام 571 هـ واستمر لمدة عام تقريبا ، بالمغرب الأقصى وامتد الى الاندلس وإلى المغرب الأوسط والأدنى. وقد قضى على الكثيرين من السكان وعلى بعض زعماء دولة الموحدين منهم أربعة من أبناء عبدالمؤمن بن علي .
وقد أصيب الخليفة الموحدي نفسه وأخوه السيد ابو حفص عمر ، ولكنهما شفيا من المرض وعوفيا ، وكاد هذا المرض أن يقضي على من كان بدور الخليفة وأهله ،..
أما أهل مدينة مراكش فقد قضى على الكثيرين منهم وضاق المصلى بالموتى ، فأمر الخليفة بأن يصلى عليهم في عامة مساجد مراكش ، ونتيجة لهذا الوباء الفاتك ، فقد خيم جو من الكآبة والحزن على مراكش الزاهر ، ولم يعد يخرج منها أحد أو يأتي وافد إليها (*10).
ومن كبار الشخصيات التي قضى عليها هذا الوباء : الشيخ ابو حفص عمر بن يحي الهنتاتي . وهو أحد طبقة الجماعة ، ومن كبار الشخصيات التي ساهمت في إقامة دولة الموحدين وقد كان قادما من قرطبة إلى مراكش فأصيب في الطريق ومات عام 571هـ .
وكان لهذا الوباء الذي فتك بالكثيرين من أهل المغرب والأندلس ، اثره في اضعاف المعنويات ، وفي قلة الأيدي العاملة ، وتعطل التجارة ، وتوقف الحياة الزراعية والصناعية وقد ترتب على ذلك ازمة اقتصادية حادة كانت ذات اثر مادي ومعنوي سيء على الرعية ..
وشجعت هذه الظروف العصيبة التي تمر بها دولة الموحدين ممالك وإمارات النصارى من النيل من الموحدين ولذلك نقضت تلك الممالك والإمارات المعاهدات التي بينها وبين الموحدين وأخذت تعبث في بلاد الأندلس بالفساد (*11)
"وكان الناس من ضعف المرض لا يستطيعون الحركة" (*12)
ونتيجة لهذه الظروف القاسية لم يستطع الموحدون ان يقوموا برد حاسم على التو والحين (*13).
7- تمرد قبيلة هرغة على الخليفة الموحدي: هذه القبيلة ينحدر - منها محمد بن تومرت مؤسس دولة الموحدين ، ففي سنة 578 هـ وصلت الأخبار إلى الخليفة الموحدي في مراكش بأن قبيلة هرغة قد استولت على معدن الفضة الذي يستخرج بقربهم من جبل السوس فاهتم الخليفة لهذا الحادث لأمرين:
الأمر الأول وهو وجوب القضاء على تمرد هذه القبيلة التي تشعر بسموها لانتهائها إلى ابن تومرت وخوفا من التفاف قبائل الموحدين حولها .
والأمر الثاني: فإن معدن الفضة يمثل موردا ماليا مهما لخزنة الموحدين ، ولذلك فإن فقده يصيب هذه الخزانة بضربة عنيفة .
ولذلك بادر الخليفة بالخروج من مراكش في صفر سنة 578 هـ على رأس قواته . ولما وصل الى جبل السوس أرغم قبيلة هرغة على تجديد الولاء والتوبة مما ارتكبته واسترجع منها ما كانت اغتصبته من المعدن. ثم بعد ذلك أمر ببناء حصن منيع حول المنجم، ووضع عليه جنداً لحراسته لقد كان لهذه الثورة أثراً في اضعاف شوكة الموحدين واضطراب هيبتهم وتشجيع خصومهم على محاربتهم .(*14).
8- ضعف التكتيك العسكري عند الخليفة الموحدي وحرصه على أن يتولى جميع الأمور بنفسه وعدم اصغائه لنصح الناصحين ويظهر ضعف تكتيكه العسكري في حصر جيوشه الضخمة في مهاجمة نقطة صغيرة، كما فعل ذلك في مهاجمته لمدينة وبذة وشنترين على التوالي، مما اتاح لملوك وأمراء الأسبان التحالف فيما بينهم ومواجهة الموحدين وهم في مركز قوة.
ولو اعتمد أسلوب الكر والفر بالجيوش الصغيرة ذات القوة والحركة السريعة لجعل الأسبان يضطرون إلى مدافعة كل فريق عن مملكته وإمارته وإلى مواجهة الموحدين متفرقين مع حالة الضعف تؤدي إلى انهزام النصارى ..(*15).
9- استطاع النصارى أن يوحدوا صفوفهم وجهودهم ضد الموحدين ويتخذوا موقفاً عدائياً واحداً منهم (*16)
هذه أهم الأسباب التي منعت خليفة الموحدين من ضم الأندلس للمغرب ومن ثم الانطلاق لتوحيد العالم الاسلامي تحت لوائهم ونفوذهم وسلطتهم
لقد كان يوسف بن عبدالمؤمن يتطلع إلى توحيد العالم الإسلامي كله وقد عبر عن تلك الرغبة بوضوح شاعر الموحدين أبو العباس ابن عبدالسلام الجراوي في بعض أشعاره في قوله يمدح خليفة الموحدين يوسف بن عبدالمؤمن :
ستملك أرض مصر والعراقا
ويجري نحوك الأمم استباقا .. (*17)
إلا أن قدرته ومواهبه كانت محدودة ولم يتيح الفرصة لظهور قادة عظام من الذين يستطيعون أن ينظموا ويقودوا الجيوش الضخمة بعكس يوسف بن تاشفين الذي أبدع في صقل قادته ودفعهم نحو المعالي، فعرفوا كيف ينزلون الهزائم بالاسبان.
وعلى أي حال فأبو يعقوب يوسف كان دائماً رجلاً مريضاً وفي تتبعنا لتاريخه نجده يصاب بالمرض المرة بعد المرة، حتى لقد ظل مرة سنة كاملة مريضاً طريح الفراش، ولهذا يذهب بعض المؤرخين الى انه مات اثر مرض اصابه أثناء الحصار .(*18).
توفي أبو يعقوب يوسف بن عبدالمؤمن في السابعة والأربعين من عمره وكان رجلاً شهماً بذل أقصى جهده في بناء الدولة وهو يعد من كبار الخلفاء ـوالسلاطين في تاريخ المغرب الإسلامي (*19).
إن شاء الله الفقرة القادمة مع أعظم ملوك الموحدين :
🚩 يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي الكومي
المسمى بالمنصور أبي يوسف يعقوب الموحدي
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*1) انظر: سقوط دولة الموحدين ص96،97،98.
(*2) انظر : سقوط د الموحدين ص100.
(*3) انظر: سقوط د الموحدين ص101.
(*4) انظر: الأرك شوقي ابوخليل ص42.
(*5) انظر: الآراك شوقي خليل ص42.
(*6) انظر:المصدر السابق نفسه.
(*7) انظر: المغرب الكبير (2/801).
(*8) (انظر : سقوط د الموحدين ص120.
(*9) انظر: سقوط الموحدين ص127.
(*10) المصدر السابق ص 129.
(*11) سقوط دولة الموحدين ص129.
(*12) البيان المغرب (3/110).
(*13) انظر : سقوط دولة الموحدين ص129.
(*14) انظر: سقوط الموحدين ص131.
(*15) المصدر السابق ص145.
(*16) المصدر السابق ص154.
(*17) انظر: دراسات في تاريخ المغرب والأندلس العبادي ص115.
(*18) انظر: معالم تاريخ المغرب والاندلس حسين مؤنس ص194.
(*19) انظر: نفس المصدر ص 194.
☆ دولة الموحدين .د. علي الصلابي ص 99- 99
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قد تكون صورة ‏نص‏
كل التفاعلات:
٢٥٤

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم

التاريخ الاسلامى

2/recent/post-list