تاريخ دولة الموحدين (12)
------------------------------------------------------------------
-----------------------------------------------------------------
وقد خرَّب كنائسهم، وعملها مساجد، وألغى الجزية، و فعل ذلك في جميع مدائنه، وانفق بيوت أموالها ، وصلى فيها وليُري الناس أنه لايكنز المال، وأقام كثيراً من معالم الإسلام ونادى: من ترك الصلاة ثلاثاً فاقتلوه،...
وأزال المنكر، وكان يؤمُّ بالناس، ويتلو في اليوم سبعا، ويلبس الصوف الفاخر، ويصوم الاثنين والخميس، ويقسم الفئ بالشرع فأحبوه، وكان يأخذ الحق إذا وجب على ولده، ولم يدع مشركاً في بلاده لا يهودياً ولا نصرانياً، فجميع رعيته مسلمون ..
وبنى عدداً من المساجد والمدارس الفخمة التي غدت مراكز للعلوم والآداب، وقرنها بالخدمة العسكرية دوماً، مع التمرين على فنون الحرب...
كما أنشأ مدرسة لتخريج رجال السياسة، وموظفي الحكومة، وقادة الجيش، وكان يجمعهم يوم الجمعة بعد الصلاة في قصره ، ويمتحنهم فيما درسوا، وكان أشد مايعنى به عبدالمؤمن تنظيم شؤون الحرب والجهاد .
وكان مسير الجيش بعد صلاة الصبح قبيل شروق الشمس، فتقرع الطبول الضخمة ثلاث قرعات ؛ وكان الجيش ينقسم إلى أربعة جيوش، يفصل بعضها عن بعض أثناء السير مسيرة يوم.
و يقتصر على سير الجيوش منذ شروق الشمس إلى وقت الظهر ؛ وكان يحمل أمامه مصحف الخليفة عثمان بن عفان الذي غنمه الموحدون من قرطبة، تبرُّكاً وتيمُّناً ، و يحمل في هودج ثمين، وعلى جوانبه الأربعة أربعة أعلام .
وقد قام عبدالمؤمن بمسح جميع أراضي مملكته، وحصل من الولاة على بيانات دقيقة عن سكان كل ولاية، وعن خواصها وثروتها وغلاّتّها ؛ لتقرير الضرائب و من وجب عليه الخدمة بالجيش .
وكان عبدالمؤمن يحتفظ بالسلاح بكميات وافرة، وبمقادير جيدة في المخازن المعدة له. وأنشأ مصانع السلاح في كثير من قواعد مملكته .
وألغى عبدالمؤمن طبقة الجماعة نهائياً، وهي الطبقة التي كان لها الحق الأول في إدارة شئون الموحدين ومراقبة الخليفة وكانوا لا يحاسبون على أي شيء فعلوه بحجة أن الرعية عبيدهم ؛ بل إن عبدالمؤمن ألغى الطبقات الأربعة عشر، وجمعها كلها في طبقة واحدة، وهي الطبقة الأولى في نظامه.
و نجح في أخذ البيعة لابنه و جعل الحكم وراثياً ؛ لم يكتفي عبدالمؤمن ببيعة الموحدين لابنه بل قام بتعيين أبنائه على أغلب ولايات الدولة مما ساهم في ايجاد تنافس شديد وتنازع مميت بين ابناء عبدالمؤمن فيما بعد. (*1)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنه لما نزل عبدالمؤمن سلا وهي على المحيط يصب إليها نهر عظيم وضربت له خيمة، وجعلت جيوشه تعبر قبيلة قبيلة، فخر ساجداً، ثم رفع وقد بلّ الدمع لحيته، فقال :
أعرف ثلاثة وردُوا هذه المدينة لاشيء لهم إلا رغيف واحد ، فراموا عبور هذا النهر ، فبذلوا الرغيف لصاحب القارب على أن يُعَدِّ بهم ، فقال: لا آخذه إلا عن اثنين ، فقال احدهما وكان شاباً: تأخذ ثيابي وأنا أسبح، ففعل ، فكان الشابُّ كلما أعيا ، دنا من القارب، ووضع يده عليه يستريح، فيضربه بالمجذاف ، فما عدَّى الا بعد جُهد ...
فما شك السامعون أنه هو السابح، والآخران بن تومرت، وعبدالواحد الشرقي .. (*2) .
وذكر ابن العماد في شذرات الذهب عبدالمؤمن بن علي فقال :
{ كان ملكاً عادلاً سايساً عظيم الهيبة عالي الهمة كثير المحاسن متين الديانة قليل المثل وكان يقرأ كل يوم سبعاً من القرآن العظيم ، ويجتنب لبس الحرير ويصوم الاثنين والخميس ويهتم بالجهاد والنظر في الملك كأنما خلق له ...
وكان سفاكاً لدماء من خالفه سأل أصحابه مسألة ألقاها عليهما فقالوا لا علم لنا الا ما علمتنا فلم ينكر ذلك عليهم فكتب بعض الزهاد هذين البيتين ووضعهما تحت سجادته وهما :
ياذا الذي قهر الانام بسيفه
ماذا يضرك أن تكون إلهــــاً
إلفظ بها ! فبما لفظت فإنه
لم يبق شيء أن تقول سواها
فلما رآها وجم وعظم أمرها وعلم أن ذلك بكونه لم ينكر على أصحابه قولهم "لا علم لنا إلا ما علمتنا" ..
فكان عبدالمؤمن يتزيا بزي العامة ليقف على الحقائق (يعني يتخفى) فوقعت عيناه على شيخ عليه سيما الخير ؛ فتفرس فيه أنه قائل البيتين فقال له : أصدقني أنت قائل البيتين ؟ قال : أنا هو .. قال لم فعلت ذلك ؟ قال قصدت إصلاح دينك .
فدفع إليه عبد المؤمن ألف دينار فلم يقبلها . (*3)
ـــــــ
وبعد أن تم له تعيين ابنه ولياً لعهده، وعقد لأبنائه على أغلب ولايات الدولة وقضى على أغلب المتآمرين ورؤوس الفتنة، وخضّد شوكة افراد بيت بن تومرت، وعمل على تقوية جانبه باصطناع أعراب بني هلال وتقويه ظهره بعصبية قبيلته،...
شرع في الاعداد للمشروع العسكري الكبير الذي نوى القيام به، ألا وهو دخول الأندلس بجيش لم يسبق له مثيل للقضاء على الممالك والامارات الاسبانية وكل من تمرد على دولة الموحدين ولذلك استعد عبدالمؤمن لهذه الحملة ..(*4).
يقول ابن صاحب الصلاة :
{ تم إعداد مائتي قطعة بحرية جديدة في دور الصناعة بمرسى المعمورة عند حلق البحر على ضفاف وادي سبو، وغيره من الدور في بلاد المغرب وسواحل الأندلس وهذه القطع تعتبر اضافة لقطع الأسطول الموحدي الزاخر .
وكانت الاستعدادات في نفس الوقت تجري لتدريب الرجال على أفانين القتال البحري والتهيئة له. كما أنه: "وأعد من القمح والشعير للعلوفات والمواساة للعساكر على وادي سبو بالمعمورة المذكورة، ما عاينته مكدساً كأمثال الجبال بما لم يتقدم الملك قبله ..
ونظر في استجلاب الخيل له من جميع طاعاته بالعدوة وافريقية، وانتخاب الأسلحة من السيوف المحلاة والرماح الطوال على أجمل الهيئات والدروع والبيضات والترسة، إلى غير ذلك من الثياب والكساء والعمائم والبرانس، ما استغربته الأذهان ولاتقدم بمثله زمان. وقسم ذلك كله على الموحدين ...} (*5).
و خرج عبدالمؤمن بن علي من مراكش في جموع الموحدين ومختلف القبائل يوم الخميس خامس عشر من ربيع الأول من عام ثمانية وخمسين وخمسمائة هجرية (558هـ) وانتهى به السير في رباط الفتح من مدينة سلا.
ونزلت الجيوش في الفحوص الواقعة ما بين عين غبولة وأرض بندغل وكان تعداد الجيش حوالي مائة الف راجل ومائة ألف فارس.
وتقرر في مجلس الحرب الذي عقده الخليفة، تقسيم الجيش أربعة أقسام، وتوجيهها إلى أربع جهات مختلفة من بلاد اسبانيا:
1- الجيش الأول : يتجه إلى مدينة قلمرية عاصمة البرتغال.
2- الجيش الثاني: إلى فرناندو دي ليون .
3- الجيش الثالث : إلى الفونسو الثامن ملك قشتالة.
4- الجيش الرابع : يسير إلى برشلونة.
غير أن الذي غير هذا المخطط وجمّد هذا العمل الكبير، مرض عبدالمؤمن بن علي المفاجئ، وانتظار الموحدين شفائه، إلا أن المرض أصاب قوته وأظهر ضعفه حتى اسلمه إلى منيته مساء يوم الخميس العاشر من جمادى الآخرة من سنة 558هـ (*6)
قال ابن كثير في أحداث سنة ثمان وخمسين وخمسمائة:
{ فيها مات صاحب المغرب عبدالمؤمن بن علي، وخلفه من بعده في الملك ابنه يوسف وحمل أباه إلى مراكش على صفة أنه مريض ، فلما وصلها أظهر موته فعزاه الناس وبايعوه على الملك من بعد أبيه ، ولقبوه أمير المؤمنين ، ....
وقد كان عبدالمؤمن هذا حازماً شجاعاً، جواداً معظماً للشريعة، وكان من لايحافظ على الصلوات في زمانه يقتل، وكان إذا أذن المؤذن وقبل الأذان يزدحم الخلق في المساجد،..
وكان حسن الصلاة ذا طمأنينة فيها، كثير الخشوع، ولكن كان سفّاكاً للدماء، حتى على الذنب الصغير، فأمره إلى الله يحكم فيه بما يشاء...} (*7).
--------------------
أما العمل على تأصيلها في نفوس الناس ونشرها في أماكن جديدة فلم يذكر المؤرخون أنه قام بشيء من هذا، ويدل على ذلك أن عبد المؤمن لما بسط سلطانه على بلاد المغرب والأندلس لم تنتشر دعوة ابن تومرت في تلك الديار، ولم تتأصل محبتها في قلوب سكانها كما تأصلت عند سكان بلاد المغرب الأقصى الذين انتشرت بينهم تلك الدعوة في عصر بن تومرت ...
ولم يسر ظل الدعوة الموحدية جنباً إلى جنب مع الظل السياسي للدولة في عهد عبدالمؤمن وإن كان استمر على نفس البرنامج التعليمي الذي وضعه بن تومرت واصدر أوامره إلى كافة الموحدين بشأن ضرورة المحافظة على تعاليم ابن تومرت والعمل على نشرها ..
وكان ذلك مجرد تكتيك من عبدالمؤمن لكي يحافظ على مكانته بين الموحدين المخلصين لدعوة ابن تومرت ؛ لكنه فيما يغلب على الظن لم يكن مقتنعا بها .
إن تاريخ عبدالمؤمن يشير إلى أنه لم يكن جاداً في الالتزام الحرفي لدعوة بن تومرت، ولعل ماتحمله دعوة بن تومرت من شطط وغلو في بعض افكارها من الأسباب الرئيسية التي جعلته يحجم عن العمل على نشرها حتى لا يحدث رد فعل مضاد له مما يعرض دولته للخطر (*8).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*1) انظر: سقوط الموحدين ص (62، 63، 64، 65، 66، 67، 68 ؛ 69)
(*2) انظر: سير اعلام النبلاء (20/373)
(*3) انظر: شذرات الذهب (40/183)
(*4) انظر: سقوط دولة الموحدين ص (77)
(*5) انظر: سقوط دولة الموحدين ص (78)
(*6) ابن صاحب الصلاة ص (213 ، 215)
(*7) البداية والنهاية (12/264)
(*8) انظر: مجلة جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية العدد السادس ص (572 ، 573)
☆ دولة الموحدين .د. علي الصلابي ص٩٠-٩٣
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


إرسال تعليق