البسوس و المهلهل (6)
لما عاد وفد تغلب مخيبا برفض مرة الشيبانى والد جساس وقومه من بنى شيبان ومن آزرهم من إخوانهم من بكر ؛
وقد عرضوا علي وفد تغلب ألفا من النوق دية لكليب فرفضوا غاضبين .
وقد إجتمعت تغلب ليقرروا ماعساهم يصنعون ؛ فوقف المهلهل خطيبا فاشرأبت له الأنظار ، قال :
لقد علمتم أن كليبا كان لكم عزا ومجدا ...، به سدنا وبسيفه انتصرنا وعلت كلمتنا ....
ولقد أكل الحسد قلوب أعدائكم فلم يجدوا لكم رزءا أشد عليكم من فقد كليب ،...
ولم يعرفوا لكم جرحا أوجع من قتله ؛
لم يطمعوا من وراء قتله إلا أن يسودوكم ، ...
فوحق مناة وحق السيف والرمح وحق المصاب الفاجع والظلم الموجع :
فهاج الجمع وتعالي هتافهم :
يال تارات كليب ..... يال تارات تغلب !
---------------------
هذا بطل بنى بكر الحارث بن عباد !
فتطلعت الأنظار إليه وكان رجلا طويل القامة معتدلها عريض المنكبين قوي البنية ، خط الشيب لحيته ، متزن الحركة هادئا ، إعتاد أن يقود ويغامر ، و أن يأمر فيطاع .
فوقف الحارث خطيبا فقال :
يا أبناء العم من تغلب : ما كان مما لا حيلة فيه قد كان ، ولقد كان فقد كليب مصابا جللا ، عمنا معاشر بنى بكر كما عمكم ، وأصاب أفئدتنا كما أصاب أفئدتكم ....
، وكنا نرجو أن ينصف إخواننا بنو شيبان من أنفسهم فيحقنوا الدماء و يخمدوا نيران حرب يصيب المرء فيها أخاه ، و تقطع يمناه فيها يسراه ؛
ولكن بنى شيبان لم ينصفوا ولم يعدلوا ، فلا حاجة لنا بنصرتهم ، ولا رغبة فينا لمؤازرتهم ، و إنا منذ اليوم نعتزلهم ، فإن كنا لا نملك أن نحاربهم معكم فلا نصرة لهم لدينا .
ثم قعد إلى جوار أبى نويرة ؛ وقام خطباء أخرون من الوافدين البكريين من قبيلة بني عجل وقبيلة بنى حنيفة وقبيلة يشكر وقد أتوا لإعلان تخليهم عن إخوانهم من بنى شيبان المعتدين .
وقام خطيب من قبيلة النمر بن قاسط جد بكر وتغلب أحد فروع ربيعة ليعلن نصرته لتغلب واشتراكه معهم فى الحرب على بنى شيبان !
----------------------------
ولما هم الجمع بالانصراف استمهلهم عدى بن ربيعة ( المهلهل ) ووقف خطيبا مرة أخرى فقال :
لقد علمتم ما كنت عليه من ضلال وغي ولهو ومجون ؛ فقد كنت سادرا في ظل كليب ، كفانى بشجاعته عن الجد ، وشملنى بحمايته فاتخذت اللهو ؛ لكن قتله أفقدنى حمايته ! وأفقدنى جاهه !
------------------------------------------------------------------
كانت حربا عنيفة ليس فيها تقيا ولا هوادة !
كانت تغلب تتعقب شيبان أينما حلت ، لا تترك لها متنفسا من راحة !
فإذا انتهت من وقعة وانحازت شيبان إلى منزل بعيد لتداوي جرحاها وتصلح سلاحها.....؛
وكان المهلهل لا يفتأ يذكر أخاه في ليله و نهاره ويبكيه فى شعره ، فلا يكاد قومه يعودون من القتال حتى يذمرهم ويحرضهم فيثبون معه إلى حيث يمضي بهم !
وقد أسلموا له قيادهم واتبعوه، لا يجادلونه في راي ، ولا يعصونه في أمر ، فقد وجدوا فيه قائدهم الذي يسبقهم إلى الصدر، ويفرق لهم صفوف العدو ، يضرب حانقا ويندفعفي غمار الجموع ، يقتل فيها ويمزق .
واشتعلت ثم مع تمادي الحروب أحقادهم.... ،
وامتلأت بالجرأة قلوبهم ....،
وألفوا النضال كأنهم يجدون كل المتعة في مناظر الدماء وضجيج الهيجاء .
---------------------------
وحسبت أنه سيستوحش من تلك الفلوات ، فلجأت إليها ... رغم ما تتجشم فيها من قسوة الحياة .
ولكنها لم تلبث أن سمعت أن عدوها لا يزال يزحف إليها ، ويخترق فى سبيله الفدافد الوعرة التى ظنوا أنها ستحميهم وراءها منه .
--------------------------
وكان بنو شيبان عند ذلك نازلين بآخر منزل نزلوه بعد هزائمهم المتكررة .... ،
فقد ضربوا خيامهم عند عين واردات عند أطراف اليمامة ، بعد أن هجروا رياض نجد و وديانها الخصيبة منذ غلبهم عليها بنو عمهم في وقائع النهى وعنيزة والذنائب.... ،
و قنعوا فى وادى واردات بأقل المراعي كلأ وأشح العيون ماء ، و أشد البلاد حرا وإقفارا 
-----------------------
و زاد فى شدة الأمر عليه أن سنوات الحرب كانت سنوات جدب ذهبت بأكثر الأموال ، و أن السماء ما جادت في الشتاء المنصرم بما يحيي المراعي ويسمن البهم ويدر اللبن ؛
وجعل يقلب وجوه الرأي فيم هو صانع في تلك الغارة الوشيكة ؟!
فوقف جساس لحظة ينظر إليه ، و قد امتلأ قلبه شفقة على ذلك الشيخ المتهدم ، الذي ما زال يحمل هموم قومه طوال تلك السنين المليئة بالهزائم والمحن !
لم يظهر له الشيخ ما كان في نفسه من هم فأسرع مجيبا في هدوء :
لعلك علمت بنبأ تقدم القوم نحونا يا جساس !
فقال جساس بصوت فيه تلجلج :
هذا ما جئت لأحدثك فيه يا أبت !!
-----------------------------------------------------------------
من رائعة محمد فريد أبو حديد ( المهلهل سيد ربيعة ) بتصرف.. البسوس وأجمل فقراتها... فتابعونا
******************************************
.jpg)

إرسال تعليق