السلوقيون في فارس والعراق وسوريا (7)

 السلوقيون في فارس والعراق وسوريا (7)



---------------------------------------------------------------
🔹️ ملخص الفقرة السابقة :
انضم سلوقس ، إلى المتحالفين ضد أنتيجونيوس من جديد في سنة 303 ق.م ، على الرغم من أن هؤلاء الحلفاء هم الذين خذلوه من قبل وتخلوا عنه في سنة 311 ق.م .
أما أنتيجونيوس فقد قام بحركة سريعة وخاطفة بقواته، تمكن فيها من اقتحام مدينة بابل بشكل مؤقت، لكن سلوقس
لم تمر عليه هذه الحيلة، وبقي في مسيره حتى التقى في سنة 301 ق.م بقوات ليسماخوس الحليفة له.
كان أنتيجونيوس قد بلغ 81 عاما وقاد مع ابنه دیمتریوس جيشا مؤلفا من 70.000 من المشاة و 10.000 من سلاح الفرسان و 75 فيلا ؛ وحدثت المعركة الحاسمة في أبسوس Ipsos ..
وفي بداية المعركة استطاع ديمتريوس دحر سلاح الفرسان التابع للحلفاء، الذي كان بقيادة انطيوخوس بن سلوقس الأول ، الذي عمل على سحب قوات دیمتریوس بعيدا عن أرض المعركة، وجعل المشاة مكشوفين، وجاءت الفرصة أمام سلوقس فتمكن بخطة ذكية من استخدام فيلته في حسم الموقف !
لقد أفسد ديمتريوس بتهوره النصر الذي أحرزه في بداية المعركة على الفرسان الهاربين، مما أعطى الفرصة لسلوقس
للانقضاض على كتيبة أنتيجونيوس التي تركت مكشوفة ، فعمل على تطويقها مما أدى إلى استسلام الجزء الأكبر منها ، والانضمام إلى الجانب المنتصر وهروب الآخرين !
أما أنتيجونيوس الذي بقي يقاتل إلى آخر لحظة، فقد مات وهو يتأمل عودة إبنه ديمتريوس لإنقاذه !
تم بعد معركة إبسوس إنهاء حكم أنتيجونيوس وتقسيم ممتلكاته، فوقعت آسيا الصغرى في يد ليسماخوس، وضم سلوقس سوريا والجزء الشمالي من بلاد الرافدين إلى ممتلكاته، وسلب بطليموس الأول إقليم جوف سوريا وضمه إلى مصر، واعلن كاساندروس نفسه ملكا على مقدونيا .
أما ديمتريوس ابن انتيجونيس فقد بقيت تحت سيطرته مدينتا صور وصيدا وعدد من المدن في آسيا الصغرى وبلاد اليونان، فضلا عن سيطرته التامة على البحر المتوسط .
وأنهت موقعة أبسوس سنة 301 ق.م التفكير بإعادة تكوين إمبراطورية الإسكندر، وظهر على أنقاضها عدد من الممالك التي أهمها ثلاث ممالك قوية شملت:
▪︎المملكة السلوقية بقيادة سلوقس الأول, التي وضعت يدها على سوريا والعراق القديم والأجزاء الشرقية البعيدة لإمبراطورية الإسكندر ..
▪︎ والمملكة الثانية هي مملكة البطالمة التي بسطت سيطرتها على مصر وقسم من الأجزاء الأخرى، ..
▪︎أما المملكة الثالثة فهي مملكة مقدونيا التي انتقلت بعد حروب وإراقة دماء إلى أيدي أحفاد أنتيجونيوس الأعور بعد أن فقدها أحفاد انتيباتروس .
و أصبح سلوقس بعد هذه المعركة طرفا أساسيا ورئيسا بين المتصارعين على أملاك الإسكندر،.
اتخذ سلوقس عاصمة جديدة للملكته على نهر العاصي، أسماها أنطاكية كبديل له عن مدينة أنتيجونيا ، التي كان بناها أنتيجونيس ؛ وعمل سلوقس في السنوات التي امتدت بين 299 - 287ق.م ، على تكبير وتجميل مدينة أنطاكية وإعادة تنظيم وترتيب إمبراطوريته الواسعة .
مات أنتيجونيوس في موقعة إبسوس ولم ينته ابنه دیمتریوس فمازال يملك قوة بلغت 9.000 رجل ، في ضمنها سلاح فرسانه البالغ 4.000 فارس , ومازال سيد البحار فقوته لم تدمر نهائيا، ويمتلك عدد من المدن الساحلية فضلا عن سيطرته على جزيرة قبرص والجزر الإيجية .
كان ديمتريوس مغرورا مولعا بالترف، ولم يكن لديه سياسة ثابتة أو حكيمة، وكان شديد الكبرياء شامخا وفاجرا، فضلا عن ذلك كان حاد الذهن سريع الفهم، وفي الوقت نفسه قليل الرؤية متسرعا !!
أثار الخلاف الذي حصل حول منطقة جوف سوريا مخاوف الملك بطليموس الأول من سلوقس، إذ كان بطليموس سببا في تكوين تحالفات جديدة بعد موقعة إبسوس 301ق.م
بين المنتصرين أنفسهم ، فعمل على حماية نفسه بالتقرب إلى كل من كاساندروس وليسماخوس ..
فأعطى للأول إحدى بناته ليزوجها من ابنه إسكندر، أما الثاني فقد أعطاه ابنته الثانية ارسينوي Arsinoe التي كان لها دور كبير في أحداث تلك المرحلة ، وعمل زوجها على استبعاد زوجته السابقة ،..
إن هذا الانشقاق بين المنتصرين جاء من حسن حظ دیمتریوس، إذ ساهم ذلك في إعادته إلى الساحة الدولية من جديد .
أما سلوقس الذي خرج بعد إبسوس 301 ق.م أقوى وأصلب القادة استطاع بمركزه القوي التفوق على جميع خلفاء الإسكندر، و بعد شعورهم بخطره تحالفوا ضده ، فقام باختيار حليف جديد تمثل بدیمتریوس خصمه القديم، فتزوج من ابنته ستراتونيك، ودعاه لزيارة سوريا ..
وجاء هذا التحالف بمثابة نصر لديمتريوس بن أنتيجونيس فعمل في طريق زيارته لسوريا على ضم عدد من المناطق التي كانت محايدة والاستيلاء على ما كان موجودا فيها من أموال ، كما تمكن من إعادة الساحل الجنوبي لأسيا الصغرى إلى أملاكه .
استلم سلوقس زوجته الثانية بحضور أبيها وأمها بسوريا، وبعدها أخذ سلوقس زوجته الجديدة إلى عاصمته أنطاكية بعد نهاية مراسم الاستقبال .
ومن المعروف أن ابنه أنطيوخوس الأول أحب لاحقا زوجة أبيه ستراتونيك هذه ، وبسبب ذلك وقع في المرض رافضا البوح بذلك إلى أي أحد ، ولكن طبيب القصر هو من اكتشف سبب مرضه، وقص ذلك على الملك سلوقس الأول، الذي تقبل الموقف بالحنان الأبوي الكبير متنازلا عن زوجته الجديدة لأبنه وخليفته.( Bevan, House of seleucus ، المجلد. 1، P.64. روبنسون التاريخ القديم، P.379.) انتهى الملخص.
--------------------------------------------------------------------
🔸️ ويذكر عدد من المؤرخين أن ديمتريوس في هذه الأثناء اشتبك بحرب مع بطليموس الأول ملك مصر ، تمكن فيها من السيطرة على عدد من المناطق، ويحتمل أنه سيطر على جميع جنوب سوريا .
ويذكر آخر أن المحرض على هذه الحرب هو سلوقس، الذي لم يجرؤ على محاربة بطليموس علناً، مفضلاً تحريض حماه ديمتريوس على الحرب، وبعد ذلك عمل سلوقس على إجراء الصلح فيما بينهم، ويحتمل أن هدفه من الصلح هو خوفه من تمسك ديمتريوس بالأراضي التي فتحها,
وهناك من يرجع ذلك الصلح إلى أنه خشي أن تصبح حرباً عامـة فسعى إلى التوفيق بين الطرفين وكـان ذلـك فـي سـنة
299 ق.م .
لم يدم الحال طويلاً بين سلوقس وبين ديمتريوس على الرغم من كل المحاولات والجهود التي بذلت، والسبب في ذلك هو مطالبته لديمتريوس بشراء كيليكيا Cilicia فرفض .
ثم طلب سلوقس من ديمتريوس وهدده باستعمال القوة، مدينتي صور وصيدا تعويضاً عن كيليكيا, فغضب ديمتريوس من ذلك قائلاً له " لو خسرت عشرة آلاف معركـة مثـل أبسوس ، فلن تشتري يا سلوقس صهراً بالمال "
وجه ديمتريوس بعد ذلك أنظاره إلى الغرب، لخوض مغامرة جديدة في اليونان، تاركاً خلفه مشاكله في الشرق مع سلوقس من دون حل .
وفي سنة 297 ق.م توفي ملك مقدونيا كاساندروس، وخلفه بعد ذلك ابنه فليب الرابع على العرش، الذي توفي بعد أبيه مباشرة تاركاً خلفه أخوته يتنازعون على عرش مقدونيا ؛ وجاءت الفرصة إلى ديمتريوس الذي عمل على استغلال الموقف لصالحه معلناً نفسه ملكاً على مقدونيا في سنة 294ق.م .
وبذلك يكـون قـد حقـق مـا عجز عن تحقيقـه أبـوه
انتيجونيوس ملك آسيا ,بكل ما ملك من قوة وثروة من الوصول إلى مقدونيا ,التي عدها ضرورية لإعادة فتح آسيا .
وقد جدد الحلفاء تحالفهم من جديد ضد ديمتريوس، فسيطرته.على عرش مقدونيا أفزعتهم،واتفقوا على اقتسام أملاك ديمتريوس في آسيا، فضم سلوقس كيليكيا، وأخذ ليسماخوس الشاطئ الغربي لآسيا الصغرى، وضم بطليموس جزيرة قبرص ومناطق أخرى، أما صور وصيدا فحافظتا على ولائهما لديمتريوس .
استطاع الأخير أن يقوى نفسه في الغرب، وأصبح عنده من المال والجنود ما كان عند الملك فليب الثاني وابنه الإسكندر المقدوني قبل غزو الشرق، بل تفوق عليهم بأسطوله الذي ساد بحر أيجة وشرق البحر المتوسط .
واستعد المتحالفون لمحاربته ومعهم حليف جديد هو بروس Byrrhus ملك مملكة ابيروس .
......
*بروس: قائد عسكري محنك، تربطه صلة قرابة بعيدة مع عائلة الإسكندر المقدوني، استطاع أن يبسط سيطرته على مقدونيا لمدة من الزمن، حارب الرومان في إيطاليا وتمكن من إحراز نصرين عليهم في سنة 280 و 279 ق.م، مات سنة 272 ق.م بسبب رميه بطابوقه من فوق المنازل في إحدى معاركه من قبل امرأة عجوز. (برن، تاريخ اليونان، ص 450 - 488)
*مملكـة أبيـروس: تقع في غرب بلاد اليونان، تضم بضعة شعوب كالمولوسبين وغيرهم، وعاصمتها أمبراكيا .. (علي، محاضرات في تاريخ اليونان ، ص129) .
......
في هذه الأثناء بدأ خصمهم ديمتريوس يعد العدة لغزو آسيا، ذكر المؤرخ اليوناني بلوتارخ Plutarch أن ديمتريوس أعد أسطولاً مكون من 500 سفينة، وجيشاً مكون من 110.000 مقاتل، ويبدو أن العدد من النظرة الأولى قد يكون مبالغا فيه ، وللمؤرخ (Tarn) رأي في عدد جيشه ، إذ ذكر أن هذا العدد قد يكون حقيقي إذ جمعنا أعداد القوات المتحالفة معه على الورق ، والتي تألفـت مـن المقـدونيين، ورعايـاه اليونانيين والمرتزقة والقراصنة قـد يصـل عـددها إلى 110.000 رجـل،
ومن جملة استعداداته لغـزو آسيا إنشائه أسطولاً كبيراً مـن السـفن، اتصفت بالسرعة والكفاءة العالية .
أتضح إلى الحلفاء نوايـا ديمتريوس بعـد أعمالـه ألأخيرة،ولم يطلب ألأخير أي.مساعدة من حليفه السابق سلوقس، الذي شعر بتغير نواياه تجاهه .
وفي فصل الربيع لسنة 288ق.م تحرك ليسماخوس وبورس لغزو مقدونيا، أما ديمتريوس الذي تفاجأ بهذا الغزو كان قد وزع مرتزقته في جميع أنحاء اليونان وأسطوله كان بعيدا عنه.
فما كان أمامه من حل سوى الاعتماد على المقدونيين, الذين كرهوا ديمتريوس وحروبه، فبدأوا بهجره متجهين إلى ليسماخوس ، وفئة أخرى إلى بروس، الذي اقتسم مع شريكه مقدونيا وحصل على الحصة الأكبر منها، وعلى فيلة ديمتريوس أيضاً ، أما الأخير فهرب تاركاً مقدونيا، وخلع عن عرشها وحل محلـه بـروس .
وكان ذلك في عام 287 ق.م، غير أن ذلك لـم يـدم طويلاً، لأنه ترك خلفه أبنه انتيجونيوس الثاني المعروف بلقب جوناتاس (Gonatas) الذي تمكن من المحافظة على سلطته في اليونان .
.......
* أنتيجونيوس الثاني : هو ابن ديمتريوس وأمه فيله ابنة القائد انتيباتروا ، كان شخصية بسيطة جداً، لم يصل إلى تألق أبيه وشيئاً من عيوبه، ومن المحتمل أنه تأثر بأمه, امتلك الفطنة السياسية التي ورثها من كلا الجانبين، استفاد من تجارب الذين سبقوه، فقد تعلم من نجاح وفشل خاله كاساندر ملك مقدونيا، ومـن جـده انتيجونيوس الملقب بالأعور، وأبيه ديمتريوس محاصر المدن، ولقبه (جوناتاس) يعني ذو الركبة، أصبح ملكاً على مقدونيا، وأسس فيهـا أسـرة حكمـت مـدة من الزمن. (بـرن، تاريخ اليونان، ص94), (Tarn, New Hellenistic ,P 448 )
......
بعد هزيمة مقدونيا، اتجه ديمتريوس للإنتقام من خصمه ليسماخوس، فأنزل قواته في آسيا الصغرى, والتي بلغت 11.000 مقاتل من المرتزقة، تاركاً ابنه خلفاً له في بلاد اليونان ..
لم يهتم بطليموس وسلوقس عند تعرض أملاك حليفهم ليسماخوس للخطر ، إذ تمنوا كسر قوته من قبل ديمتريوس ، لأنها إثارة مخاوفهم لاسيما بعد أن أصبح سيدا على آسيا
الصغرى ونصف مقدونيا .
حاول ديمتريوس استغلال الخلاف فيما بين أعدائه إذ تأمل
الحصول على عدد من المناطق في آسيا الصغرى، وفي بداية الأمر تمكن من تحقيق نجاح كبير في عدد من المناطق التابعة إلى سيطرة ليسماخوس، وانضمت لـه أيضاً مناطق أخرى كانت تكره حكم الأخير وتود الخلاص منه .
وفي ربيع 286 ق.م قاد أجاثوكليس جيشاً قوياً اتجه به لملاقاة ديمتريوس، الذي انسحب شرقاً بسـب عدم قدرته على المواجهة ، وخطأه هذه المرة كان ابتعاده عن أسطوله والتوغل داخل آسيا الصغرى ؛ فكان سبباً رئيساً لمجاعة جنوده وتذمرهم، فقرر التوجه إلى أرمينيا محـاولاً بذلك رفع عدد قواتـه وإثارة المشاكل في نهايـة أمـلاك سلوقس، مثلما فعل الأخير سابقاً في أملاك انتيجونيوس محاولاً بذلك تأسيس إمبراطورية لنفسه في المناطق الشرقية ..
...........
*أجاثوكليس: ابن ليسماخوس البكر من زوجته الأولى نيقيا (Nicaea) ابنة أنتيباتروا، أعدم في سنة 283 ق.م بتهمة الخيانة بسبب مؤامرة دبـرت لـه مـن زوجـة أبيـه الطامعـة بـالعرش لأولادها، المدعوة أرسينوي ابنـة بطليموس الأول، تمتـع بشعبية واسعة لـدى جنـوده وشعبه، أثـار مقتلـه موجـة مـن الاضطرابات في البلاد.(رستم، تاريخ اليونان، ص68).
...........
ولكن الصعوبات والمعاناة التي واجهها كانت أقوى من أحلامه
وطموحاته، إذ قطـع أجـاثوكليس إمداداتـه مـن الخلف،وكره جنـوده الابتعاد كثيـراً عـن البحر , وبسبب الجوع والمرض فقد 8.000 من جنوده، مما أجبره على التنازل عن فكرة التوجه إلى الجنوب، وبدلاً منها ذهب إلى كيليكيا التابعة لمملكة سلوقس .
إن المأزق الذي وقع فيه أجبره على الدخول في أراضي حليفه السابق، وفي أثناء مروره في تلك الأراضي لم يظهر نفسه معادياً له ، إذ عمل على ترك الحقول التي مر بها سليمة،
وكان موقف سلوقس الذي عرف عنه الشهامة والمروءة كتب إلى قادته في كيليكيا يأمرهم بتجهيز جيش ديمتريوس بكل ما يحتاجه من مؤن ، لكنه أقنع من أحد مستشاريه الكبار بخطورة بقاء ديمتريوس الشخصية البارزة والطموحة في أراضيه، فتغير رأيه وسار إليه على رأس قوة كبيرة .
انزعج سلوقس مـن أعمالـه كثيـراً، إذ بـدأ بتخريـب الحقـول، وإحـراز عـدد مـن الانتصارات على القوات السلوقية، وبهذه الأعمال ارتفعت معنويات أتباعه ، وسببت أخباره قلقاً في قصور الملوك الآخرين، كما تمكن من فتح الطريق إلى سوريا.
ورفض سلوقس عرض ليسماخوس بتقديم المساعدة له بالقضاء عليه ،وقـد مـرض ديمتريوس في هذه الأيام الحرجة ، وبعد أن تعافى وجد جيشه قد هرب ، وانضم العديد منهم إلى سلوقس، أما البقية فقد استخدمهم في حرب عصابات، وتمكن بهم من الحصول على عدد من النتائج البسيطة .
عمل ديمتريوس على إلحاق أضرار كبيرة في المناطق التي مر بها، فأنطلق.سلوقس على رأس قوة يقودها بنفسه لملاحقته ، والتقى الطرفان وعرف ألأخير أين تكمن نقطة ضعف خصمه، فقائد شجاع مثله ورفيق قديم للإسكندر نزع خوذته وبقى بدرع خفیف لحماية رأسه، ثم توجه إلى خطوط العدو ، وهناك صاح بصوت عال طالباً من الجنود المرتزقة الانضمام إليه وترك قائدهم البائس ولا يجبرونه على قتلهم 🤔
لقد كان له تأثير قوي على الجنود المرتزقة، فبعد طلبه هذا منهم ارتفعت أصوات التأييد والمديح لـه مـرحبين بقدومه !!
أما ديمتريوس فقد هرب مع عدد من أتباعه ، وكان هدفه هذه المرة الوصول إلى البحر لملاقاة أسطوله، ولكنها كانت محاولة يائسة، إذ بقى يتجول طوال الليل من دون هدف معين، وفي اليوم التالي اقتنع لتسليم نفسه إلى سلوقس.
واستقبله الأخير أفضل استقبال في قصره في إنطاكية، وخلال الأيام القليلة التي قضاها هناك بدأ سلوقس يقلق من وجوده ، فهذه الشخصية الجذابة قد تتآمر عليه, فعمل
على إحاطته بـ 1000 رجل ونقله من دون أن يرى وجهه إلى السهول الجميلة الواقعة حول نهر العاصي في مدينة أفاميا التي قضى فيها مدة عامين قبل مماته ..
.......
*مدينة أفاميا : تقع شمال شرق حماة وإلى الجنوب الشرقي من مدينة إنطاكية، سميت على اسم زوجة سلوقس الأولى أفاميا الفارسية، تقع في منطقة خصبة جداً، نالت شهرة واسعة حتى أصبحت عاصمة سوريا الثانية بعد إنطاكية، ذكرها سترابو على أنها قاعدة عسكري كبيرة. (مطر, إلياس, ديب ، العقود الدرية في تاريخ المملكة السورية، ط2 بيروت : مطبعة المعارف، 1874م ص ص17-58).
.......
ولم يهمل سلوقس أي شيء لراحة وكرامة أسيره، حتى أنه سمح لأصدقائه مرافقته في حبسه ، وانضم إليه عدداً من الأفراد من قصر سلوقس نفسه، فضلاً عن ذلك كان المكان الذي حبس فيه عبارة عن متنزهات ملكية امتلأت بكل أنواع الألعاب ، وشدد على حراسته خوفاً من هربه، فتمتع بحرية كبيرة في اللهو والشراب من دون أن يستطيع الخروج مـن حبسه .
وحاول أبنه انتيجونيوس الثاني أن يتنازل عن أية مدينة يرغب بها سلوقس مقابل.فك أسر أبيه ديمتريوس ، أو حتى تقديم نفسه كرهينة بدلاً عنه ولكنه رفض هذه العروض، بسبب خوفه من إطلاق رجل مثل ديمتريوس يعمل على إثارة المتاعب ..
وهناك سبب آخر هو أنه أراد استغلال أسيره لمصالحه الخاصة، إذ كـان ورقة رابحـة بيـده ضد منافسيه، ولاسيما ليسماخوس، الذي خاف منه كثيراً ، فعرض عليه الأخير مجبراً مبلغا كبيرا من المال مقابل قتله لديمتريوس، ليتخلص نهائيا من تهديده ، إلا انه رفض عرضه بشدة، وعده من الأعمال المشينة ..
وفي هذه الأثناء كتـب سلوقس إلى أبنه انطيوخوس الأول حـاكم الولايات الشرقية عزمه على إطلاق سراح ديمتريوس وإعادته إلى عرش مقدونيا، أما أنطيوخوس فقد كان قبل ذلك يريد التوسط عند أبيه لإطلاق سراح حماه ديمتريوس، وكان
سلوقس يرغب في ذلك لإرضاء ابنه البكر انطيوخوس الأول، الذي كان متزوجاً من ابنة ديمتريوس ..
ويحتمل أن يكون لها دور كبير في التأثير على زوجها لإطلاق سراح والدها، وعلى العموم ومهما كانت نوايا سلوقس صادقة أو كاذبة فان ديمتريوس مات في الحبس، بعد قضاء أيامه الأخيرة بالشرب المفرط الذي أنساه ذلـة السجن ومرارته فـي سـنة 283ق.م .
وقد كشفت الأحداث الأخيرة عن شخصية الملك سلوقس الأول، في كيفية معالجة المشاكل التي واجهت الإمبراطورية، فقد تمتع بحكمة ومهارة سياسية كبيرة، فنراه يفضل استعمال ذكائه على استعمال قوته الحربية مع خصمه ديمتريوس، وعرف كيف يستغل نقطة ضعفه والاستفادة منها لصالحه.
كما عمل في هذه الأحداث على إظهار نفسه لمرات عديدة على أنه رجل شهم وصاحب أخلاق عالية، والدليل على ذلك حسن معاملته لجيش ديمتريوس الجائع، الذي فضله على قائده الـذي ذاقـوا مـعـه فـي أيامهم الأخيرة الجـوع والمرض،
👌إذن فهو الآن يجني ثمار سمعته الطيبة، وكذلك حسن معاملته لأسيره ديمتريوس يكشف عن ذلك أيضاً، وهناك شيء مهم ظهر في هذه السنوات الأخيرة هو ارتفاع قوة ليسماخوس الذي أصبح خطراً يهدد مصالح سلوقس والقادة الآخرين، بعدما وضع يده على مقدونيا.
▪︎ ▪︎ ▪︎
--------------------------------------------------------------------
(*) نشوء الدولة السلوقية وقيامها /د. حسن حمزة جواد
/كلية الآداب بجامعة بغداد بإشراف الأستاذ الدكتور جواد مطر الموسوي ۱٤٢٩ ه - ۲۰۰۸ م / بتصرف ص ٨٢ - ٩٠
----------
إضافات
* أنتيجونيا : عاصمة أنتيجونيوس بناها في عام 307-306 ق.م على مسافة خمسة أميال شمال شرق مدينة إنطاكية، موقعها مكان محصن على شكل مثلث تحده من الشمال بحيرة إنطاكية، ومن الجنوب والشرق نهر العاصي، ومن الغرب نهر اركيوشا الذي يخرج من البحيرة ويصب في نهر العاصي، فصارت موقعا منيعا يسهل الدفاع عنه, فضلا عن ما يقدمه نهر العاصي من خدمات. (داوني، إنطاكية القديمة، ص 46).
----------
*ستراتونيك: ابنة القائد الشهير ديمتريوس من زوجته فيلاه Phila، تزوجها سلوقس بعد المصاهرات السياسية التي حدثت بعد معركة أبسوس 301ق.م،اتخذها زوجة له لتقوية علاقته مع عدوه ديمتريوس ضد حلفاءه السابقين الذين أصبحوا أعداء له. (رستم، تاريخ اليونان، ص66) .
----------
* بلوتارخ Plutarch المؤرخ (40-120م) : ينتمي إلى عائلة عريقـة فـي مقاطعة (بيونيا) اليونانيـة، عـرف بالحكمـة والفضيلة، درس الرياضيات والفلسفة في مدينة دلفي المقدسة، اختيـر مـن قبـل تراجـان الإمبراطـور الروماني الكبير حاكماً على أحد الأقاليم الرومانية، وبعد وفاة الأخير عاد إلى وطنه لينصرف للتأليف ، من أهم مؤلفاته كتاب (السير) الذي فصل فيه سير عظماء اليونان، وكتابه الثاني (سير الأنداد من الإغريق والرومان الذي تضمن مقارنة بين عظماء الشعبين، تميزت كتاباته بالحياد والإعجاب باليونانيين أكثر من غيرهم، وكذلك تميز أسلوبه بالقوة وشدة التأثير والأمتاع. (الملائكة، أعلام الكتاب، ص212) .
----------
* كيليكيا: تقع في جنوب شرق آسيا الصغرى، يحدها من الجنوب البحر الأبيض المتوسط، ومن الشرق جبال الأمانوس، ومن الشمال جبال طوروس، ومن الغرب تقطعها تفرعات جبال طوروس، وهي حلقة وصل بين آسيا الصغرى وسوريا,
-----------
*أرمينيا : تقع شمال شرق سوريا كان ترتيبها الولاية الثالثة عشر من ولايات الإمبراطورية الأخمينية,بعد وفاة الإسكندر المقدوني 323 ق.م أصبحت تحت السيطرة السلوقية، يحكمها والي من الأسرة الملكية الأرمينية القديمة. (جونز، أرنولد هيومارتن , مـدن بـلاد الشام ، ترجمـة : احسـان عبـاس ص437 )
----------
•سليم حسن، مصر القديمة، ج 14، ص191.
•جي، تاريخ مصر، ج1، ص88.
•رستم ، تاريخ اليونان، ص67؛ العبادي، العصر الهلنستي، ص62؛ نصحي، تاريخ مصر، ج1، ص86.
• أوراسيوس، تاريخ العالم، ص252.
• الأحمد والهاشمي، الشرق الأدنى، ص368 - 391؛
Jouguet, Macedonian Imperialism, P.162.
Sykes, History of Persia, Vol. 1, P.292.
Tarn, New Hellenistic, P.78.
Jouguet, Macedonian Imperialism, P.162.
Cary, Greek World, P.43.
Sykes, History of Persia, Vol. 1, P.292.
Robinson, Ancient History, P.379.
Bevan, House of Seleucus, Vol. 1, P.65.
Orosius, Seven Books, Bk. IV, Ch. 23.
Griffith, Mercenaries, P.59.
Tarn, New Hellenistic, P.85.
Ibid, P.85.
Griffith, Mercenaries, P.60.
Tarn, New Hellenistic, P.85.
Tarn, New Hellenistic, P.94.
Jouguet, Macedonian Imperialism, P.166.
Cary, Greek World, P.51.
Tarn, New Hellenistic, P.88
Syria under Ottoman Dominion (London:Oxford
university press, 1965, P.1).
Cary, Greek World, P.51.
Griffith, Mercenaries, P.60.
Tarn, New Hellenistic, P.88.
Griffith, Mercenaries, P.60.
Cary, Greek World, P.51.
Bevan, House of Seleucus, Vol. 1, P.66.
Sykes, History of Persia, Vol. 1, P.293.
Bevan, House of Seleucus, Vol. 1, P.67.
Tarn, New Hellenistic, P.88.
Sykes, History of Persia, Vol. 1,
P.293.
Bevan, House of Seleucus, Vol. 1, P.67.
Ibid, Vol. 1, P.67.
Tarn, New Hellenistic, P.88.
Bevan, House of Seleucus, Vol. 1, PP.67-68.
Bevan, House of Seleucus, Vol. I, P.68.
Sykes, History of Persia, Vol. 1, P.293.
Bevan, House of Seleucus, Vol. 1, PP.68-69.
Tarn, New Hellenistic, P.93.
Cary, Greek World, P.52.
Tarn, New Hellenistic, P.93.
Bevan, House of Seleucus, Vol. 1, P.70.
Jouguet, Macedonian Imperialism, P.166.
قد تكون صورة ‏‏شخصين‏ و‏نص‏‏
كل التفاعلات:
١٫١ ألف
١٥ تعليقًا
٢٥٨ مشاركة
أعجبني
تعليق
مشاركة

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم

التاريخ الاسلامى

2/recent/post-list