تاريخ التتار الأول (10)
وما لبثت قواته أن اقتحمت هذه القلعة، ودخلت المدينة، وهدمت ما بها من جوامع وقصور وأزالت معالم الحياة فيها ،
ولما أتم جنكيز خان إحراز ذلك النصر الحاسم على مدينة باميان جاءته، الأنباء بأن جلال الدين تمكن من دحر جيش المغول في السهول القريبة من مدينة بيروان بالقرب من مدينة غزنة،
فسار جنكيز خان بمن معه لملاقاته، ...
فلما حلت بتلك الطليعة الهزيمة على يدي جلال الدين منكبرتي، اتجهت هذه القوات المغولية نحو بيروان القريبة من غزنة، ونشب القتال بينها وبين الجيش الإسلامي في السهول المحيطة بهذه المدينة ،
وهكذا تيسر لجلال الدين أن يجمع جيشاً قوامه ستون ألف مقاتل، ثم سار لملاقاة الجيش المغولي الذي يقوده تولوي بن جنكيز خان، واستمر القتال يوماً، ثم افترق الجيشان عند الليل ليستأنفا القتال في الغداة،
وركب جلال الدين أكتاف المغول يفصل بالأسياف مجامع الأكتاف، وكيف لا وقد فجعوه بأخوته وأبيه ومملكته وذويه، فترك لا والد ولا مولود ولا عابد ولا معبود، تلفظه النوادي إلى البوادي، وقتل تولوي خان في وهج القتال،
وكثر الأسر ، وقد انتقم الخوارزميون من المغول انتقاماً شديداً فكانوا يدقون الأوتاد في آذان الأسري، وجلال الدين ينظر إليهم، ويعلو وجهه البشاشة بما ظفر .}
كما دب الخوف في قلوب المغول الذين كانوا يحاصرون قلعة (ولج)، واضطروا إلى رفع الحصار عنها ،
ولكن للأسف ! كان انتصار جلال الدين على المغول في سهول بيروان انتصاراً مؤقتاً، 
فبينما كان يوزع الغنائم على قواته وجنوده اشتد النزاع بين قائدين من كبار قواته على حصان عربي كان كل منهما يريده لنفسه، وبلغ من شدة الخلاف أن ضرب أحدهما الآخر على رأسه بسوط كان يحمله،
ولم يرض السلطان منكبرتي عن هذه الإهانة، ولم يقبل القائد المعتدي أن يعتذر عما بدر منه، وكانت النتيجة أن انسحب القائد الآخر بجنوده إلى مدينة (بيشاور) إلى حدود الهند، وانضم إليه عدد كبير من الجنود الغورية من مدينة غزنة بعد أن خابت جميع جهود السلطان لاعادتهم ،


---------------------------
لم يكن من الصواب في شي أن يجازف جلال الدين بحرب المغول، وجيشه في هذه الحالة، لذا آثر الإنسحاب إلى السهل الواقع غربي نهر السند، وأخذ يعاود مكاتبة المنشقين ويستميلهم إليه ،
وبقي هو في القلب، ثم نشب القتال، وكادت الهزيمة تلحق بالمغول في البداية، لكنهم ما لبثوا أن اجتاحوا القوات الإسلامية من الخلف، كما هاجموا الميمنة من الإمام مما أدى إلى هزيمة المسلمين ،
واستطاع بهذه الوسيلة أن يعبر النهر إلى الجانب الشرقي، وقد قتل عدد كبير من جنوده وغرق أولئك الذين حاولوا العبور إلى الضفة الشرقية، كما أسر أحد أبنائه وكان في السابعة من عمره، ثم قتله جنكيز خان بين يديه،

ومن الطريف أن جلال منكبرتي احتفظ بذلك الجواد الذي عبر به نهر السند، وكان سبباً في إنقاذ حياته دون أن يركبه حتى استعاد بلاده بعد رحيل جنكيز خان عنها.
--------------------------------
ولما علم جنكيز خان أن عدوه قد أمر بأن يلقي كل ما كان يملكه من ذهب وفضة في نهر السند حتى لا يقع غنيمة سهلة في يد المغول، أرسل بعض رجاله فغاصوا في النهر وأمكنهم أن ينتشلوا بعض هذه الأموال .
وبرغم حرج موقف الخوارزميين في هذه الموقعة، ورغم تلك الهزيمة التي حلت بالسلطان الخوارزمي وجنوده، استطاع أربعة آلاف من الجنود الخوارزميين أن ينجوا بأنفسهم بعبورهم من الضفة الشرقية حيث وصلوا، حفاة عراة، كأنهم أهل النشور حشروا فبعثوا من القبور . 

كان من الطبيعي أن يفرح السلطان جلال الدين بلقاء هذا العدد من جنوده ، وما لا شك فيه أن جلال الدين، في الفترة التي قضاها في بلاد الهند، كثيراً ما كان يظهر بمظهر الكسير الذليل من هول ما أصاب دولته عامة، وأصابه خاصة، بعد موقعة السند
...
من ملك الدنيا ودانت له
فالجهل كل الجهل أن يحسدا
بقدر ما ترفع أصحابها
تحطهم فالرأي قرب المدى
ويلي على المغري بعليائها
سيضحك اليوم ويبكي غدا
تعطيه كالمشفق لكنها
تبطش في الأخذ كبطش العدى
--------------------------------
هكذا يكون الرجال الشجعان . 
وقال لرجال دولته: ما أسعد الأب الذي ينجب رجلاً قوياً شجاعاً كهذا، أي جلال الدين، لأن الرجل الشجاع يقدر الرجل الشجاع ولو كان ألد خصومه ، 

----------------------------
وبعد أن اطمأن جنكيز خان إلى تمكنه من السيطرة على هذه البلاد، وانتقم من قاتلي تجاره ورسله في مدينة أترار ، أكد المغول سيطرتهم على المناطق الإسلامية الشاسعة ما بين الصين والعراق
فثبتوا أقدامهم في كل بقاع الدولة الخوارزمية، وهذا يشمل الآن أسماء الدول الآتية من الشرق إلى الغرب:
1 ـ كازخستان ، 2 ـ قيرغيزستان، 3ـ طاجيكستان،
4 ـ أوزبكستان ، 5 ـ تركمنستان، 6 ـ باكستان، باستثناء المناطق الجنوبية فيها والمعروفة بإقليم كرمان،
7 ـ أفغانستان ، 8 ـ معظم إيران، باستثناء الحدود الغربية لها مع العراق، والتي يسكنها الإسماعيلية،
9 ـ أذربيجان ، 10ـ أرمينية،
11 ـ جورجيا ، 12 ـ الجنوب الغربي لروسيا .
---------------------------------------------------------------------
وقبل أن يخرج من الهند سنة 621هـ /1224م
قرر أن تكون وجهته إلى أقصى الغرب ، وبمعنى آخر فإنه آثر أن يضع نفسه وما تبقي من جيشه في أبعد نقطة عن متناول جيوش المغول،
ومن ثم فقد اجتاز الصحراء القاحلة التي تفصل بين الهند وإقليم كرمان الذي سارع حاكمه براق الحاجب بإعلان ولائه للسلطان الخوارزمي ، بل أنه عرض إحدى بناته عليه ليتزوجها، فقبل السلطان ذلك منه،
وتكرر الإجراء نفسه مع سعد الله أتابك إقليم فارس، وعلاء الدين حاكم إقليم يزد . 
ولم يمكث ابنه الظاهر في الخلافة سوى تسعة أشهر، إذ توفي في رجب سنة 623هـ ، فآلت الخلافة إلى ابنه المستنصر سنة 623هـ/640هـ الذي لم يكن يرى الدخول في مواجهات عسكرية ضد الخوارزميين؛ 
ومن ثم فقد استقبل في قصر الخلافة في بغداد رسول جلال الدين .
----------------------------------------------
كان استيلاء الخوارزميين في الثامن والعشرين من جمادى الأولى سنة 627هـ على مدينة أخلاط التابعة ـ آنذاك ـ للملك الأشرف بن العادل الأيوبي ؛...
كان بداية لنهاية السلطان جلال الدين منكبرتي حيث تعرض جيشه لهزيمة مريرة أمام تحالف جيش الأيوبيين وسلاجقة الروم في الثامن والعشرين من رمضان سنة 627هـ على مقربة من أذربيجان،


فانهزم السلطان جلال الدين إلى أذربيجان وأرسل جنوده إلى صحراء موغان لينالوا قسطاً من الراحة .
وفي الحقيقة لم يكن المغول في حاجة إلى تحريض من الإسماعيلية أو غيرهم، وقد جاء إنتخاب أوكتاي بن جنكيز خان سنة 626هـ خاناً أعظم للمغول إيذاناً بتنفيذ استراتيجية مغولية جديدة تمثلت في غزوات عسكرية متوالية على جبهات ثلاث هي جنوبي الصين، وغربي إيران، وشرقي أوربا،
وكتب إلي غيرهم من أمراء المسلمين، حكام ميافارقين وماردين وآمد يستنجد بهم كي يرسلوا إليه جيوشاً من عندهم تعاونه على مجابهة هذا الخطر الذي يتهدد المسلمين جميعاً،
--------------------------------
فقد أصيب الجيش الخوارزمي بنكسة فادحة، تمثلت في آلاف القتلى والأسرى، وفي اضطراب نظامه وفقدان السيطرة عليه ، وسقوط هيبته بين القوى العسكرية المجاورة له بعد أن كانت تخشى بأسه وسطوته، 
وقد أدى هذا الاختلال في التوازن العسكري إلى ظهور مؤشرات سياسية لدى القوى السياسية في المنطقة فقد أيقن معظم أمراء الجزيرة أن الموقف الجديد يحتم عليهم سرعة الانضواء تحت الهيمنة الأيوبية التي يمثلها الملك الأشرف المقيم بدمشق، والمؤيد من قبل أخيه الكامل في مصر،
كذلك لم تتأخر مملكة الكرج المسيحية عن إزالة السيطرة الخوارزمية عن أراضيها وبخاصة العاصمة تفليس ، ولم تلبث بعض المدن المهمة مثل تبريز وكنجة أن أظهرت عصيانها للخوارزميين واجترأت على قتل البعض منهم، 

وشرعت طائفة الإسماعيلية في آلموت في المماطلة في أداء الأتاوة المقررة عليها من قبل السلطان الخوارزمي .
وانفتح الطريق أمامهم، نحو إقليم أذربيجان حيث تناثرت بقايا الجيش الخوارزمي المهزوم، كل هذه المؤثرات كانت تنبئ بزوال الدولة الخوارزمية وأفول نجم سلطانها الأخير جلال الدين منكربتي .
-------------------------------------------------------------------
- نهاية جلال الدين و الخوارزميين

إرسال تعليق