تاريخ التتار الأول (11)
إمبراطورية جنكيز خان
-------------------------------------------------------------
-------------------------------------------------------------
وقد أكثر لهم المديح وقال لهم : لقد ساعدتموني وجعلتموني قادراً على العمل الصحيح الذي يجب عمله، وأمسكتم بيدي بعيداً عن عمل الأمر الخطأ، وبفضل هذا السلوك من جانبكم فقد بلغت المرتبة العالية .
وكان جنكيز خان يوم تحرك باتجاه الغرب قد قطع على نفسه عهداً بمحاسبة الملك الطانغوطي على ذلك الرفض رغم أنه تابع له، ....
لهذا فقد حشد عام 1226م كل جيوشه ضد الطانغوط،
ولكن الثأر وحده لم يكن الدافع على محاربة أولئك القوم، بل كانت هناك أسباب وجيهة أخرى تدعو إلى إخضاع تلك المنطقة،
فقد كان صينيو إمبراطورية كين، أو الإمبراطورية الذهبية، قد نجحوا فى استرجاع قسم كبير من أقاليمهم، بعد مغادرة جنكيز خان للصين إبان فتحه لبكين .
وأدرك جنكيز خان أن العوامل الجغرافية تجعل من الصعب، أو من المستحيل، توجيه ضربة مميتة إلى الصينيين الذهبيين بينما السلطة المغولية غير مستقرة في بلاد الطانغوط .
وكان اهتمامه بهذا الأمر من الشدة بحيث لم يلجأ لتحقيقه إلى أي من جنرلاته، وإنما عمد رغم تقدم سنه إلى قيادة الجيش بنفسه ويدلنا هذا القرار أنه كان لايزال مالكاً لجميع قواه البدانية والعقلية .
-----------------
الأمر الذي دعا أولاده المرافقين له و كذلك قادة جيشه الكبار إلى التشاور فيما بينهم حول ما يجب عليهم عمله،
فقال أحدهم : إن الطانغوط شعب حضري يسكن المدن لا يغادرها، ومن الممكن أن نعود الآن إلى الوطن، لنرجع إلى هذا المكان بعد أن يستعيد الخان عافيته،
ووافق المجتمعون على هذا الرأي، ولكن جنكيز خان رفض وقال : إذا نحن ذهبنا فسيظن الطانغوط يقيناً بأننا نخاف منهم ، إنني أبقي للعلاج والشفاء في هذا المكان ولن نبرحه، وسنبدأ فنبعث إليهم برسالة، لنرى ما هو الجواب الذي سيعطونه،
وكان جواب العاهل الطنغوطي على هذه الرسالة عبارات تحقير وإهانة،
وقد غضب جنكيز خان لذلك غضباً شديداً، وهتف صارخاً:
{أمن الممكن بعد هذه الإهانة أن نذهب بعيداً ؟ إني لن أذهب ولو كان وراء ذلك موتي ... إني أقسم على هذا بالسماء الأبدية }
وقد وفى بقسمه ، فدمّر مملكة الطانغوط ودولتهم ولكنه مات في سياق ذلك،
---------------------
ولما اشتد المرض عليه وعرف أن منيته قد حانت استدعى أولاده فأوصاهم أن يخلف ابنه أوكتاي لمزية رأيه المتين، وعقله الرزين ، فجعله ولي عهده ، فوافقوا على اختياره ،
فوصيتي لكم أنكم تشتغلون بعدي بدفع الأعداء ورفع الأصدقاء وتكونون جميعاً على رأي واحد، حتى تعيشوا في نعمة وتتمتعوا بالمملكة } 
--------------------------------------------------------------------
وقد أنجب جنكيز خان تسعة أولاد من بينهم أربعة كانوا من زوجته يسونجين وهؤلاء الأبناء الأربعة هم :
جوجي / وجغتاي / وأوكَتاي / وتوُلوُي ،
وكان أبوهم جنكيز خان يعهد إليهم بالأعمال الكبيرة المهمة ، كما كان يعتمد عليهم اعتمداً كلياً في إدراة إمبراطوريته المترامية الأطراف ،
فمثلاً نراه يكلف أكبر أبنائه "جوجي" بالإشراف على شئون الصيد وتنظيم القصور وتزيينها،
وأما ابنه الثاني "جغتاي" فقد وكل إليه تنظيم شئون القضاء والعمل على تنفيذ أحكام جنكيز خان وقوانينه وتوقيع الجزاء والعقاب على المقصرين،
وجعل ابنه الثالث "أوكتاي" يختص بالشئون المالية والإدارية، ويقوم بتنظيم شئون الملك، وتدبير مصالح الناس،
وفوض ابنه تولوى في مباشرة شئون الدفاع وإعداد الجيوش، وكان يدعى "الغ نويان "،
وقد رأى جنكيز أن خير وسيلة لتدريب أبنائه على مباشرة مهام الحكم وتحمل المسؤوليات ، هو أن يقسم إمبراطوريته بينهم وهو على قيد الحياة وقد تم التقسيم على النحو التالي:
وكان غالب أهلها من الأتراك والتركمان ، ولما كان جوجي قد توفي قبل وفاة أبيه قرر جنكيز خان أن تكون هذه المناطق من نصيب حفيده "باتو بن جوجي" الذي اشتهر برقة العاطفة وعذوبة الحديث وشدة التعقل وأصبح رأس بيت جنكيز خان وقام بدور حاسم فيما نشب من منازعات على ولاية العرش للإمبراطورية.
---------------------------------------------------------------------
وأخيراً رأى الأمراء الكبار ضرورة التعجيل بتنصيب خاناً جديداً، حتى تنصلح الأمور ولا يتطرق الفساد والخلل إلى أساس الملك ، وقد استقر رأيهم على إتخاذ هذه الخطوة ، فأوفدوا الرسل إلى الجهات والأطراف وصاروا يمهدون لعقد مجلس الشورى (القوريلتاي)،
فاجتمعوا على تولية أوكتاي عرش الخانية ، ولكنه حاول التنحي والاعتذار بأنه غير آهل لتولي هذا المنصب الخطير، وأن أخاه (تولوي) أجدر منه بمباشرة هذا الأمر، والالتزام به، لأنه الأخ الأصغر،
لذلك فإن أخوته وأقاربه ، أغلقوا أمامه كل باب للاعتذار وأصروا على أن يقبل هذا المنصب، وذكروه بوصية أبيه في هذا الشأن، فنزل على مشيئتهم آخر الأمر ،
وعندئذ أخذ (جغتاي) يد أخيه (أوكتاي) اليمنى وأخذ تولوي يده اليسرى وأمسك عمه (أوتجكين) بحزامه وأجلسوه على سرير الخانية .
وهدد بإنزال العقاب الصارم على كل من تحدثه نفسه بمخالفة القوانين بعد ذلك واهتم اهتماماً كبيراً باكمال الفتوحات التي بدأها والده جنكيز خان فكون الجيوش اللازمة لغزو إيران وأوربا والصين .
---------------------------------------------------------------------
على أن المغول الذين كانوا لا يزالون يحتلون منطقة ما وراء النهر، قاموا قبل ذلك بعدة حملات منظمة عل قوات السلطان جلال الدين منكبرتي ، كانت تسفر تارة عن انتصار جلال الدين وتارة أخرى على انتصار المغول ، ولكنها على كل حال لم تؤد إلى نتيجة حاسمة،
وظلت كذلك إلى أن عهد (أوكتاي) إلى قائده المشهور
(جُز ماغون نويان ) بقيادة الحملة على إيران، فسار على رأس جيش كبير تعداده 50 ألف جندي، مصطحباً معه عدداً من أمهر قادة المغول،
واستطاع المغول تدمير جيش جلال الدين منكبرتي كما مرَّ معنا، وبعد أن تخلصوا من أخطر عدو استطاع أن يواجههم ببسالة أصبح الطريق أمامهم ممهداً للفتح والغزو دون أن يعوقهم عائق، أو تقف في طريقهم عقبة،
فاستطاعوا في يسر وسهولة أن يشنوا حملاتهم على معظم البلاد الإسلامية ، و أن ينشروا فيها الخراب والدمار،
------------------------------------------------------------------
حرص أوكتاي على إتباع وصية والده جنكيز خان في الاستمرار في إنجاز مخططاته في الاستيلاء على العالم، فعهد إلى قائد مغولي بارز يدعى (جرماغون) بقيادة حملة مغولية جديدة تتجه نحو الغرب للقضاء على جلال الدين ؛
وحينما اقتربت جيوش المغول وشعر جلال الدين بن خورازمشاه بالخطر يطبق عليه وأحس بضعفه أمامهم ، أخذ يكاتب سلاطين المسلمين وحكامهم، يستنجدهم ويدعوهم لنجدته والوقوف في وجه أعداء الإسلام،
ومما كان يقوله لهم في كتبه حسب رواية المؤرخ الوزير عطا ملك الجويني:
فإذا أنا هزمت وخلا مكاني بينكم، فلن تستطيعوا مقاومة هذا العدو، وإذن فأنا لكم بمثابة سد الأسكندر،
فليسارع كل منكم إلى إمدادنا بفوج من الجنود، حتى إذا ما وصلهم نبأ إتفاقنا وإتحادنا فترت قوتهم وفت في عضدهم فيتشجع جنودنا ونقوى عليهم }
بل تركوه وحده يواجه مصيره المحتوم

وفي تلك الأثناء كان المغول يستهدفون جلال الدين ويركزون جهودهم للقضاء عليه، فهاجم جرماغون أقاليم جلال الدين واستولى على الري ثم همدان وواصل الزحف حتى حدود أذربيجان،
غير أن جلال الدين نجا وتمكن من الفرار من ساحة المعركة، وظل يتنقل مختفياً من مكان إلى آخر، حتى دخل جبال الأكراد، وكان ذلك في سنة 628هـ / 1231م.
وانتهى به الأمر إلى الوقوع في قبضة بعض هؤلاء الأكراد، فقتله أحدهم في منتصف شوال سنة 628هـ أغسطس سنة 1231م .
ما كان الخوارزمي إلا مثل السد الذي بيننا وبين ياجوج وماجوج }
وأمر الملك شهاب الدين غازي الأيوبي صاحب ميافارقين بإحضار من قتله فأحضروه فأقر بقتله، وأحضر فرسه وسرجه وسيفه، وكان (أوتر خان) السابق ذكره وجماعة من خواص السلطان الخوارزمي قد وصلوا إلى شهاب الدين غازي،
فأنزلهم في قصره ؛ و أمر بحمل جثمان السلطان جلال الدين ليلاً من القرية، فلما جاءوا قال لأوترخان: أنظر هل هو هذا؟ فلما رآه بكى وقال : نعم ، فدفنوه ليلا ً، وأخفوا قبره مخافة أن ينبش .
----------------------------------------------------------------------
فسار على رأس 4000 جندي من الجنود الخوارزميين وصلوا إلى إربل، ومن هناك أسرع أورخان بمفرده إلى إصفهان حيث لقي حتفه على يد المغول ؛
وبعد ذلك تفرقت البقية الباقية من جنود جلال الدين علي جبال كردستان والجزيرة والشام، فقتل بعضهم على يد الأكراد وأعراب البدو واختار الباقون أن يعملوا كجنود مرتزقة في خدمة سلاطين الأيوبيين وسلاجقة الروم وصاروا لفترات طويلة سبباً في إثارة كثير من المتاعب في البلاد التي يعملون فيها .
---------------------
على حين اتجهت زوجة السلطان وسراريه وخدامه وقطعة كبيرة من عسكره إلى مدينة حران وطلبوا أماناً من الأمير صواب نائب الجزيرة من قبل الملك الأيوبي الكامل،
وقصد الجزء الأكبر من الخوارزميين بلاد سلاجقة الروم، فأقطعهم السلطان علاء الدين كقيباذ بن كيخسرو بلاداً لمعيشتهم واستخدمهم على حين انهزم كثيرون منهم إلى ترابزون ـ الواقعة على الساحل الجنوبي للبحر الأسود ـ وبلاد الكرج المجاورة ،
غيرأن الظروف السياسية التي أحاطت بالشرق الأدنى الإسلامي آنذاك هيأت لهم الفرصة في الاستمرار كقوة عسكرية مؤثرة تدخلت في أدق الصراعات السياسية والعسكرية كجنس فاعل و نشيط !!
--------------------------------------------------------------------
بعد إعادة فتح شمال الصين التتار يوجهون ثلاث حملات الى أذربيجان و أعالي الفرات؛ و روسيا ؛ وأوربا ثم وفاة أوكتاي .

إرسال تعليق