تاريخ التتار الأول (14)
إمبراطورية جنكيز خان
-------------------------------------------------
-------------------------------------------------
وقد دفعه هذا التصميم إلى تجهيز حملتين كبيرتين، نصب أخاه الأصغر ((هولاكو)) على رأس إحداهما وعهد إليه بالقضاء على الإسماعيلية وإخضاع الخليفة العباسي،
ونصب أخاه الأوسط ((قوبيلاي)) على رأس الحملة الأخرى بفتح أقاليم الصين الجنوبية، واستعد منكوقاآن نفسه للسير بحملة أخرى بقصد الاستيلاء على بعض الأقاليم في هذه البلاد الفسيحة .
-----------------------
ومع أن النصارى رؤوا أفعال التتار إلا أن ملوك النصارى في أوربا الغربية (فرنسا وإنجلترا وإيطاليا وإلمانيا) كانوا يرون أن هذه مرحلة مؤقتة سوف تقف عند فترة من الفترات.. ولذلك كان ملوك الصليبيين على إستعداد كامل للتعاون مع التتار ضد المسلمين.
إلا أنه لم يكن يفقه كثيراً في السياسة، ولم يكن له علم بالرجال، فاتخذ بطانة فاسدة، وإزداد ضعف الخلافة عما كانت عليه وسنأتي بإذن الله تعالى بذكره بالتفصيل.
إذ كانت تعيش فيه طائفة الإسماعيلية الشيعية الخطرة، وكانوا أهل حرب وقتال، ولهم قلاع وحصون، فضلاً عن طبيعة المكان الجبلية، وكانوا على خلاف دائم مع المذهب السني وكراهية شديدة له ؛
وكانوا يتعاونون مع أعداء الإسلام كثيراً، فمرة يراسلون التتار ومرة الصليبيين، وكان المغول يدركون وجودهم، ومع ذلك فهم لا يطمئنون لهم، وما كانوا يرغبون في بقاء قوة ذات قيمة في أي مكان على ظهر الأرض .
-----------------------------------------
وعلى كل فقد حرص منكو خان على إعداد حملة هولاكو إعداداً محكماً يكفل لها النجاح، فقد ارسل المرشدين ليختبروا الطريق الذي سوف تمر منه عساكر هولاكو من قراقورم حتى شاطئ نهر جيحون، فأقاموا الجسور على الأنهار العميقة، وعلى مجاري المياه السريعة ،
ثم رسم لأخيه الخطة التي كان عليه أن يتبعها حيث قال له:
{ إنك الآن على رأس جيش كبير وقوات لا حصر لها فينبغي أن تسير من توران إلى إيران وحافظ على تقاليد جنكيز خان وقوانينه في الكليات والجزيئات وخص كل من يطيع أوامرك ويتجنب نواهيك في الرقعة الممتدة من جيحون حتى أقاصي بلاد مصر بلطفك وبأنواع عطفك وأنعامك،
أما من يعصيك فأغرقه في الذلة والمهانة مع نسائه وأبنائه وأقاربه وكل ما يتعلق به، وابدأ بإقليم قهستان في خراسان، فخرب القلاع والحصون، فإذا بادر خليفة بغداد بتقديم فروض الطاعة، فلا تتعرض له مطلقاً، أما إذا تكبر وعصى فالحقه بالآخرين من الهالكين،
كذلك ينبغي أن تجعل رائدك في جميع الأمور العقل الحكيم والرأي السديد، وأن تكون في جميع الأحوال يقظاً عاقلاً، وأن تخفف عن الرعية التكاليف والمؤن، وأن ترفه عنهم، وأما الولاية الخربة، فعليك أن تعيد تعميرها في الحال،
وثق أنك بقوة الله العظيم سوف تفتح ممالك الأعداء، حتى يصير لك فيها مصايف ومشاتي عديدة، وشاور دقوز خاتون في جميع القضايا والشئون } 


كما أعدوا السفن له لعبور الأنهار الكبيرة، كما قام الأمراء والنبلاء في تلك النواحي بحشد أعداد كبيرة من الجند للإنضمام إلى جيش هولاكو .
وأقام بهذه المدينة قرابة شهر وجه خلالها عدة رسائل إلى الملوك والسلاطين في البلاد المجاورة طلب منهم معاونته في تحطيم قلاع الإسماعيلية والقضاء عليهم وفي مقابل ذلك تعهد لهم بأن يبقيهم على ولايتهم ولا يتعرض لهم بسوء، وهددهم بأن امتناعهم عن مساعدته يجرهم إلى الهلاك وأنه سينزل بهم ما ينزل بالإسماعيلية .
---------------------------------------------------------------------
----------------------------------
ومن تلاميذه الحسن بن الصباح من أصل يمني، نزح أبوه إلى الكوفة، ثم إلى قم، ومن قم، إلى الري، حيث ولد الحسن وعرف أصول الدعوة من عبد الملك بن عطاش ـ داعية المذهب في العراق ـ
وطارده نظام الملك الوزير السلجوقي الكبير مؤسس المدارس النظامية التي تحدثنا عنها في كتابنا السلاجقة، وتمكن أنصاره من السيطرة على آلموت ـ أي عش العقاب ـ واستولى على القلعة سنة 483هـ ،
وكان الحسن الصباح في مصر أثناء خلع المستنصر للإبن الأكبر نزار، ولما رفض هذا الإجراء سجن في مصر، ثم غادرها، ودعا إلى نزار في البلاد التي سيطر عليها ، وعمل الحسن بن الصباح على توسيع رقعة دولته بعد وفاة السلطان ملكشاه،
وكان دولة الحسن الصباح على العقيدة الإسماعيلية الشيعية متطرفة في العقيدة، وانحرفوا عن الإسلام الصحيح، وللرد على مزاعم الإسماعيلية الباطنية ألف أبو حامد الغزالي كتابه الموسوم بفضائح الباطنية داحضاً لإدعاءاتهم ، وقد فصلت الحديث عنه في كتابي عن السلاجقة.
ثم وصل هولاكو بعد ذلك على رأس الجيش الرئيسي إلى قلاع الإسماعيلية الحصينة، واستطاع بالحيلة تارة، وبالقوة تارة أخرى أن يستولى عليها الواحدة تلو الأخرى حتى أنتهى من آخر قلاعهم قلعة الموت في أواخر سنة 654هـ/1257م
ولم يكتف هولاكو بالاستيلاء على قلاع الإسماعيلية في تلك المناطق بل طلب من ركن الدين خورشاه تسليم جميع قلاع الإسماعيلية في بلاد الشام، فاستجاب له وراسل مندوبين من قبله إلى بلاد الشام ومعهم رسل هولاكو لدعوة الناس هناك إلى التسليم عندما تصل إليهم الرايات المغولية .
--------------------------------------------------------------------
--------------------------------------------
والواقع أن جذور الضعف والتفكك قد امتدت إلى جسم الخلافة العباسية قبل مجئ المغول بمدة طويلة بسبب عوامل كثيرة ذكرنا بعضها في ما مضى وسنذكر البعض الآخر بإذن الله تعالى.
لقد تفككت الروابط القوية التي كانت تربط الخلافة العباسية بمختلف الأمصار الإسلامية، حيث نشأت دول عديدة وإمارات مستقلة في قلب الخلافة العباسية وأطرافها وعندما بدأ المغول زحفهم على الممالك الإسلامية في الشرق كان الخليفة العباسية في ذلك الوقت هو المعتصم بالله (640/1242م/656هـ/1258م) .

بعد أن حقق هولاكو خان هدفه الأول، وهو القضاء على طائفة الإسماعيلية سار لتحقيق هدفه الثاني وهو القضاء على الخلافة العباسية وفي رمضان سنة655هـ/1257م أرسل هولاكو رسولاً إلى الخليفة مصاغة في قالب من التهديد والوعيد جاء فيها:
ولا بد أنه قد بلغ سمعك على لسان الخاص والعام، ما حل بالعلم والعالمين على يد الجيش المغولي، منذ عهد جنكيز خان ، إلى اليوم، والذي حاق بأسر الخوارزمية والسلجوقية وملوك الديالمة والاتابكية وغيرهم ممن كانوا ذوي عظمة وشوكة، وذلك بحول الله القديم الدائم،
ولم يكن باب بغداد مغلقاً في وجه أية طائفة من تلك الطوائف، واتخذوا منها قاعدة ملكاً لهم، فكيف يغلق في وجهنا رغم مالنا من قدرة وسلطان؟
ولقد نصحناك من قبل، والآن نقول لك احذر الحقد، والخصام ولا تضرب المخصف بقبضة يدك ولا تلطخ الشمس بالوحل فتتعب، ومع هذا فقد مضى ما مضى، فإذا أطاع الخليفة، فليهدم الحصون ويردم الخنادق، ويسلم البلاد لابنه، ويحضر لمقابلتنا،
وإذا لم يرد الحضور فيرسل كلاً من الوزير وسليمان شاه، والدواتدر، ليبلغوه رسالتنا دون زيادة أو نقصان فإذا استجاب لأمرنا فلن يكن واجبنا أن نكن له الحقد، وسنبقي له على دولته وجيشه ورعيته،
أما إذا لم يصغ إلى النصح وآثر الخلاف والجدال، فليعين الجند وليعين ساحة القتال فإننا متأهبون لمحاربته وواقفون له على استعداد، وحينما أقود الجيوش إلى بغداد، مندفعاً بثورة الغضب، فإنك لو كنت مختفياً في السماء أو في الأرض…
فسوف أنزلك من الفلك الدوار وسوف القيك من عليائك إلى أسفل كالأسد، ولن أدع حياً في مملكتك وسأجعل مدينتك واقليمك وأراضيك طعمة للنار، فإذا أردت أن تحفظ رأسك وأسرتك فاستمع لنصحي بمسمع العقل والذكاء، وإلا فسأرى كيف تكون إرادة الله .}




ألا يعلم الأمير أنه من الشرق إلى الغرب وأنه من الملوك إلى الشحاذين ومن الشيوخ إلى الباب ممن يؤمنون بالله ويعملون بالدين، كلهم عبيد هذا البلاط وجنود لي؟!
إنني حينما أشير بجمع الشتات سأبدأ بحسم الأمور في إيران ثم اتوجه منها إلى بلاد توران، وأضع كل شخص في موضعه، وعندئذ سيصير وجه الأرض مملوءا بالقلق والاضطراب،
غير أني لا أريد الحقد والخصام ولا أن أشتري ضرر الناس وإيذائهم، كما أنني لا أبغى من وراء تردد الجيوش أن تلهج ألسنة الرعية بالمدح أو القدح خصوصاً وأنني مع الخاقان هولاكو خان قلب واحد ولسان واحد،
وإذا كنت مثلي تزرع بذور المحبة فما شأنك بخنادق رعيتي وحصونهم، فاسلك طريق الود وعد إلى خراسان، وإن كنت تريد الحرب والقتال، فلا تتواني لحظة ولا تعتذر، إذا استقر رأيك على الحرب،
أن لي ألوفاً مؤلفة من الفرسان والرجالة وهم متأهبون للقتال، وأنهم ليثيروا الغبار من ماء البحر وقت الحرب والطعان } 
. وصل رسل الخليفة إلى هولاكو، فلما اطلع هذا على رسالة الخليفة ..... 
--------------------------------------------------------------------
التاريخ التترى غزو بغداد

إرسال تعليق