تاريخ التتار الأول (7)
إمبراطورية جنكيز خان
---------------------------------------------------------------------
----------------------------------------------------------------------
---------------------------------------------------------------------
واصطحبوا في طريقهم مجموعة كبيرة من أسرى المسلمين من مدينة بخارى، وكما يقول إبن الأثير :
---------------------
وكانت حاميتها عندما فر منها محمد خوارزمشاه ـ غرباً تتألف من خمسين ألف مقاتل من الخوارزمية على ما يذكر ابن الأثير ، ويرى ابن العبري، أنها كانت أربعين ألف فارس،
فرتب أموره على أن تلتقي كل قواته ـ والتي بدأ بها غزو بلاد ما وراء النهر عند سمرقند،
واصطحب معه عدداً كبيراً من أسرى بخارى ليستعين بهم في عملية الحصار ،
ولما بلغ مشارف سمرقند وجد أن جنوده من الكثرة بحيث أنه استغنى عن ثلاثين ألف منهم، فعهد إليهم مطاردة الأمير علاء الدين محمد خوارزمشاه ، 

وكان جنكيز يقدر أن حصن المدينة لن يتيسر له فتحه قبل بضعة سنوات ،
مستنداً في هذا الاعتقاد إلى ما أبداه قائدا حاميتهما من ضروب الشجاعة، فضلاً عما أنزلاه بقوات المغول من خسائر،
لكنه رأى أن يتولى بنفسه قيادة الهجوم على هذه المدينة ، فحالفه النجاح في الاستيلاء على بعض أبوابها مما ترتب عليه قيام قادة الجيش الخوارزمي بعقد اجتماع لاتخاذ قرار،
فبينما رأت أكثرية الحامية وكانوا من الأتراك ضرورة التسليم، رأى الفريق الآخر ضرورة القتال، وارتدوا إلى القلعة محاربين .
وأراد جنكيز خان أن يؤكد ـ عملياً ـ وعوده، فأمر بحلق شعورهم على عادة المغول ـ خداعاً وتمويهاً ـ غير أنهم ما كاد المساء يقبل حتى قتلوا منهم ثلاثين ألفاً من أبرزهم أمراؤهم ، 


وحينئذ فتحت الأبواب على أن المغول لم يرعوا عهدهم إذ أمروا السكان بالخروج من المدينة، ثم وضعوا السيف فيمن لم يخرج، واستولوا على قلعتها، ونهبوا البلد، وأحرقوا الجوامع، 



كان ذلك في المحرم سنة 617هـ/1220م
وأرغم جنكيز خان القادرين من أهل سمرقند على حمل السلاح كجنود في صفوف المغول، 

وبعث مهرة البستانيين من أهلها إلى ((قراقورم))، لتزيينها بمنتزهات على نحو حدائق سمرقند ، 
كما ألحق مهرة الصناع وبخاصة نساجو الحرير والقطن بخدمة زوجات جنكيز خان وأقربائه كرقيق، وسير بعضهم مع الخان إلى خراسان ،

وسمح لخمسين ألفاً من السكان بالعودة إلى المدينة بعد أن دفعوا مائة ألف قطعة ذهبية ، وقد قدر ابن العبري هذه الفدية بمائتي ألف دينار، قام بجمعها اثنان من كبار رجال سمرقند،

" فلما كان اليوم الرابع نادوا في البلد أن يخرج أهله جميعهم ومن تأخر قتلوه فخرج جميع الرجال والنساء والصبيان، ففعلوا مع أهل سمرقند مثل فعلهم مع أهل بخارى من النهب والقتل والسبي والفساد، 

ودخلوا البلد فنهبوا ما فيه وأحرقوا الجامع…، وافتضوا الأبكار، وعذبوا الناس بأنواع العذاب في طلب المال وقتلوا ما لم يصلح للسبي ، 

ولكي ندرك ما حل بحاضرة بلاد ما وراء النهر إثر الغزو المغولي نورد ما ذكره شانج شون، وهو أسقف صيني صحب جنكيز خان في غزواته وكتب مؤلفاً بالصينية عن هذه الرحلة،
ورغم أن الممتلكات ظلت في أيدي المسلمين فإن إدارتها كانت تحت إشراف جيش الاحتلال المغولي .
وبعد سقوط عاصمة السلطان محمد، سمرقند، وهروب الشاه الخوارزمي من وجه القوات المغولية، أصبحت أراضي الأسرة الخوارزمية مفتوحة على مصراعيها دون حامٍ ضد قوات جنكيز خان التي أصبحت حرة تسير عبرها طولاً وعرضاً دون أن تجد معارضاً لها، 

لذلك فلا عجب أن نجد المدن والمقاطعات تتساقط واحدة تلو الأخرى، في أيدي القوات المغولية المنتصرة الزاحفة وما أن قارب فصل ربيع ذلك العام حتى أكمل المغول فتحهم لجميع أراضي السلطان محمد في إقليم ما وراء النهر، من مدينة جند في الشمال إلى بخارى وسمرقند في الجنوب، فبناكت وخنجد في الوسط . 


وهكذا بانهيار جميع بلاد ما وراء النهر انهارت خطوط الدفاع التي اعتمد الجيش الإسلامي عليها، وتيسر للمغول بعد ذلك الاستيلاء على أقاليم شرق الدولة الإسلامية الباقية من غير عناء .


---------------------------------------------------------------------
فعوَّل بعد وصوله إلى سمرقند من بخارى على الرحيل إلى مكان آمن يجير فيه أمره أو يبحث عن إمكانية التصدي لهذا العدو الغاشم،
لذا عقد في سمرقند مجلساً ضم وزراءه وكبار قواده للبحث فيما يمكن عمله لمقاومة المغول، وظهر في هذا الاجتماع اتجاهان:
فلما اكتشف الوزير ما يراد به احتال ليرجع إلى العراق العجمي موطنه الأصلي، لذا استغل ثقة علاء الدين محمد خوارزمشاه فيه، وعرض عليه المسير إلى العراق العجمي حيث سيجد فيه المال والرجال والدرع الواقي من المغول،
فقبل الأمير الخوارزمي علاء الدين مشورته وسار إلى نيسابور إحدى مدن خراسان، غيرأنه لم يقم بها إلا فترة قصيرة، إذ بلغه أن المغول قد عبروا نهر جيحون، وأصبحوا على مقربة منه، وأنهم يجدون في البحث عنه، 

فلم يكن في وسعه حينئذ إلا أن يغادر نيسابور ويأخذ طريقه شطر العراق العجمي .
واستطاع المغول على مقربة من مدينة الري أن يوقعوا بجيش خوارزمشاه الرئيسي، الأمر الذي جعل الأمير الخوارزمي يفكر في الإلتجاء إلى خليفة بغداد رغم ما بينهما من عداء،

فسار حتى نزل ((بمرج دولة آباد)) من أعمال همذان، ووصل معه من جيشه زهاء عشرين ألف فارس، فواجه زحف القوات المغولية ،
مما اضطره إلى الاتجاه إلى إقليم مازندرات جنوبي بحر قزوين، ووصل إلى مرسى على البحر يعرف ((باب سكون))،
"وظل في إحدى قرى هذا الميناء يصلي بالناس في المسجد وينذر لله لئن كتبت له السلامة وأعيد له ملكه ليقيمن العدل، إلى أن انكشف أمره، وهاجم التتار موضعه،
وعندئذ ركب البحر إلى قلعة أمينة في إحدى جرز بحر الخزر (قزوين)، تدعى جزيرة ((أوغر تشالي))، أو( جيركن) الحالية،
، وقد رمى المغول زورقه بالسهام، فلمأ أخطأته تحمس بعضهم فسبح خلفه حرصاً على أخذه فغرقوا"
ووصل علاء الدين خوارزمشاه لمأمنه عليلاً، وما لبث أن فارق الحياة في تلك الجزيرة في الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة 617هـ/1220م .

"حدثني غير واحد ممن كانوا مع السلطان في المركب، قالوا: كنا نسوق المركب وبالسلطان من علة ذات الجنب ما آيسه من الحياة، وهو يظهر الاكتئاب ضجيراً ويقول:
{ لم يبق لنا مما ملكناه من الأرض قدر ذراعين نحفر فنقبر،
فما الدنيا لساكنها بدار لا ركون إليها إلا سوى انخداع واغترار، ما هي إلا رباط يدخل من باب ويخرج من باب، فاعتبروا يا أولى الألباب، } 


وفي نظير ذلك كان السلطان يوصي بإقطاعهم الإقطاعات، ولما إستعاد جلال الدين منكبرتي أملاك أبيه بعد بضعة سنين أقر هذه الإقطاعات لأصحابها،
ونلاحظ أن كل من كان معه علامة من علاء الدين كان جلال الدين منكبرتي يقطعه إقطاعاً،
" إن عري السلطنة قد انفصمت والدولة قد وهنت قواعدها، وتهدمت وهذا العدو قد تأكدت أنيابه وتشبثت بالملك أظفاره، وتعلقت أنيابه، وليس يأخذ بثأري منه إلا ولدي منكبرتي، وها أنا موليه العهد، فعليكما بطاعته ،"
وفارق المسكين أوطانه
وملكه : ممتحنا ً بالمرض
وكم حوى من جوهر مثمن
فما فدى الجوهر هذا العرض
أذل الملوك وصاد القروم
و صير كل عزيز ذليلا
وحف الملوك به خاضعين
وزفوا إليه رعيلا رعيلا
فما تمكن من أمره
وصارت له الأرض إلا قليلا
وأوهمه العز أن الزمان
إذا رامه ارتد عنه كليلا
أتته المنية : مغتاظة
وسلت عليه حساما صقيلا
فلم تغن عنه حماة الرجال
ولم يجد قيل عليه وقيلا
ويفنيهم الدهر جيلا فجيلا 
ومن أبرزها ((مازندران)) ذات القلاع التي اشتهرت بمناعتها وحصانتها ولم يلاقوا في الاستيلاء عليها سنة 617هـ/1220م مقاومة تذكر ، 
كذلك اتجهت بعض القوات المغولية إلى الري فوصلتها على حين غفلة من أهلها، وما لبثت أن استولت عليها وعاثت فيها نهباً وسلباً ، 
ولم يقم المغول في الري بعد استيلائهم عليها بل مضوا مسرعين في أثر خوارزمشاه ينهبون كل مدينة أو قرية يمرون عليها، ويضعون السيف في رقاب أهلها، ولا يبقون على شئ فيها، 

ومالوا عنها إلى زنجان فاكتسحوها، ثم اتجهوا إلى مدينة قزوين فتصدى لهم أهلها وأخذوا يذودون عنها في قتال عنيد انتهى بهزيمتهم ودخولها في حوزة المغول ، 

ثم ساروا إلى قوس فامتنع أهلها عنهم، ولم يزالوا يحاصرونها حتى تمكنوا من الاستيلاء عليها ،
ولما وصلوا إلى مدينة ((تبريز))صانعهم صاحبها أوزبك بن البهلوان، وقدم لهم كثيراً من الهدايا، متمثلة في المال والثياب والدواب، وأعلن تبعية بلاده لهم ، 
على أن المغول ما لبثوا أن اضطروا بسبب برد الشتاء القارس إلى الرحيل عن تبريز واتجهوا عبر سهول موقان إلى السواحل الغربية لبحر قزوين طلباً للدفء،
وحددوا بدء الهجوم بفصل الربيع، غيرأن المغول فطنوا إلى ما يدبر ضدهم، وعمدوا إلى القيام بهجوم على هذه القرى، فشتتوا شملها، واستولوا على حصون جورجيا وخربوها، كما توغلوا في أراضيها حتى وصلوا إلى حاضرتها (تفليس) 
وكان ذلك في ذي القعدة سنة 617هـ/1220م ، ولما تم للمغول الاستيلاء على إقليم جورجيا عادوا ثانية إلى إقليم أذربيجان الذي انتفض عليهم،
وما كادوا يصلون إلى ((تبريز)) حاضرة هذا الاقليم حتى أعلن أهلها الاستسلام، وتعهدوا بدفع جزية كبيرة، 
"ووضعوا السيف في أهلها، فقتل منهم ما يخرج عن الحد والإحصاء، ونهبوا كل ما صلح لهم وما لا يصلح لهم أحرقوه "
لقد تعرض شرق الدولة الإسلامية لهذا الغزو المغولي، على هذه الصورة المروعة، ومع ذلك فإن خليفة بغداد الناصر لدين الله لم تبد منه أية محاولة لصده، 


كما لم يستمع إلى الرسل الذين قدموا إليه من البلاد التي نكبها المغول،
وقد حمل موقف الخليفة السلبي من هذه البلاد، وعدم الإسهام في نجدتها بعض المؤرخين على اتهامه بالاتصال بالمغول،
وتحريضهم على غزو الدولة الخوارزمية 
ووصل الخبر إلينا بذلك فى الموصل، فخفنا حتى إن بعض الناس هم بالجلاء خوفاً من السيف ، وانزعج الخليفة الناصر حين علم بزحف المغول على مدينة إربل،
وكان يلي إمارتها حينئذ مظفر الدين كوكبري من قبل خليفة بغداد، فقد خشي الناصر أن يتجه قواد المغول إلى العراق العربي عن طريق دقوقا بدلاً من إربل، بعد أن يكتشفوا وعورة مسالكها، وصعوبة الوصول إليها،
لذا بعث برسل تحمل أوامره إلى كل كل من مظفر الدين كوكبري صاحب إربل، وبدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، والملك الأشرف موسى صاحب بلاد الجزيرة، .....
--------------------------------------------------------------------
* التتار من البداية إلى عين جالوت .. راغب السرجاني.
التتار بين الإنتشار و الإنكسار( ص96-- ص102)علي الصلابي .
--------------------------------------------------------------------
لا حول ولا قوة إلا بالله 

إرسال تعليق