تاريخ التتار الأول (8)
إمبراطورية جنكيز خان
-----------------------------------------
ثم عادوا ثانية إلى إقليم أذربيجان الذي انتفض عليهم، وما كادوا يصلون إلى ((تبريز)) حاضرة هذا الاقليم حتى أعلن أهلها الاستسلام، وتعهدوا بدفع جزية كبيرة،
و لم يشعر الخليفة الناصر للأسف بخطر الزحف المغولي إلا عندما رحل المغول عن مدينة مراغة، وقصدوا مدينة إربل، القريبة من الموصل 
{
ووصل الخبر إلينا بذلك في الموصل، فخفنا حتى إن بعض الناس هم بالجلاء خوفاً من السيف ،}
وانزعج الخليفة الناصر حين علم بزحف المغول على مدينة إربل، وكان يلي إمارتها حينئذ مظفر الدين كوكبري من قبل خليفة بغداد،
فقد خشي الخليفة الناصر أن يتجه قواد المغول إلى العراق العربي عن طريق دقوقا بدلاً من إربل، بعد أن يكتشفوا وعورة مسالكها، وصعوبة الوصول إليها،
يأمرهم بالتوجه إلى مدينة دقوقا في عسكرهم ليصدوا المغول إن هم عدلوا عن إربل إليها، توطئة لاقتحام العراق العربي،
فسير بدر الدين بعض فرق جيشه إلى دقوقا، وغادر مظفر الدين إربل في صفر سنة 618هـ1221م مع عساكره وتبعهم جمع كثير من العساكر المتطوعة .
ووصلت قوات أمراء إربل والموصل والجزيرة إلى دقوقا حيث سير الخليفة الناصر إليهم جيشاً قوامه ثمانمائة فارس ، بقيادة مملوكه قشتمر،
وأسند الخليفة إلى الأمير مظفر الدين كوكبري قيادة القوات الإسلامية ووعده بمده بالعسكر ؛
أما العسكر الإسلامي فأقام عند دقوقاً فترة تبين له أثناءها أن العدو قد انصرف عنهم، كما أن المدد الموعود به لم يصل إليهم، لذلك تفرقوا، وعاد الجميع إلى بلادهم سنة 618هـ/1221م ،
ثم عبر القائدان المغوليان المنطقة الواقعة بين بحر قزوين والبحر الأسود إلى بلاد القفجاق ( القوقاز) وروسيا، وسار المغول بقيادة هذين القائدين إلى بلغاريا وأوصلوا الرعب إلى أقصى حدود أوروبا .
---------------------------------------------------------------------
فقد كان نفوذها في هذا الإقليم يفوق نفوذ السلطان نفسه، وذلك بفضل أتباعها المخلصين من قبيلة كانكالي التي تسكن السهول الواقعة شمال خوارزم وشمال شرقي بحر قزوين،
كما نرى جنكيز خان يرسل إليها عندما سمع بذلك الشقاق الذي قام بين علاء الدين وأمه، يستميلها إلى جانبه، ووعدها بأن يترك لها ما بيدها من أملاك بعد أن يتم فتوحاته، على أن السلطانة لم تهتم بما جاء في هذه الرسالة ،
وقبل أن ترحل ارتكبت عملاً بربرياً فاحشاً ذلك أنها أمرت بقتل أولئك الأمراء الذين كان علاء الدين قد استولى على أملاكهم، والذين كانوا في سجون خوارزم،
فقتلت أبناء طغرلبك آخر سلاطين السلاجقة في العراق وأمراء بلخ وترمذ وباميان وابني آخر ملوك الدولو الغورية، وكثيرين من الأمراء الآخرين .
ووقعت تركان خاتون أسيرة في أيدي المغول الذين قادوها هي وحاشيتها وأبناء علاء الدين إلى معسكر جنكيز خان، وقد ظلت تركان خاتون أسيرة في أيدي المغول حتى رحلوا إلى بلادهم وصحبوها معهم إلى هناك، حيث ماتت سنة 630هـ/1233م،
وهكذا خلا إقليم خوارزم من الحكام الخوارزميين وبات ينتظر مصيره المحتوم على أيدي المغول .
--------------------------------------------------------------------
1
انتقال جلال الدين منكبرتي من خوارزم :
و كانت حاضرة هذا الإقليم في فوضى مستمرة منذ غادرتها تركان خاتون التي انشغلت بنفسها، وفاتها أن تعين حاكماً على هذا الإقليم،
وقد وصف النسوي وصول جلال الدين منكبرتي وأخويه إلى إقليم خوارزم في عبارة نوردها هنا :
{
لما اندرج السلطان إلى رحمة الله ودفن بالجزيرة، ركب جلال الدين البحر إلى خوارزم بأخويه المذكورين (أزلاغ شاه وأق شاه)…
وتباشر الناس بقدومهم تباشر من أعضل داؤه، فظفر بدوائه، واجتمعت عندهم من العساكر السلطانية زهاء سبعة آلاف فارس .}
وقد أراد جلال الدين أن يخضع هذه الجيوش الثائرة بالقوة فتآمروا على قتله، 

ولم يجد جلال الدين مخرجاً إلا الفرار والنجاة بنفسه من الهلاك، ففر إلى خراسان بصحبة ثلاثمائة فارس تحت إمرة ((تيمور ملك)) حاكم مدينة خنجده،
وكان قد فر إلى إقليم خوارزم بعد غزو المغول مدينته خجنده كما رأينا،
وأما الجند المتآمرون فقد بقوا في خوارزم بعد رحيل جلال الدين عنها، ولكنهم ما لبثوا أن رحلوا أيضاً إلى خراسان بعد أن سار إليهم المغول،
ولكي يحاصر جنكيز خان أبناء علاء الدين من كل جهة أمر جيوشه في خراسان بأن تقف على الحدود الجنوبية للصحراء التي تفصل خوارزم عن خراسان،
وفي هذه الأثناء في ذو القعدة سنة 617هـ / مايو سنة 1220م كان الجيش المغولي يتقدم نحو مدينة خوارزم، حاضرة الإقليم المسمى بهذا الاسم،
وهي تقع على مقربة من مصب نهر جيحون في إقليم صحراوي، إذ لا نجد فيما عدا هذه المدينة وما يحيط بها من مدن صغيرة وقرى متناثرة إلا أراضٍ صحراوية .
-------------------------------------------------------------------
2
حصار مدينة خوارزم :
وهكذا كان المغول أقوياء بروحهم المعنوية وبرجالهم وبمؤازرة جنكيز خان لهم، أما الجيوش الخوارزمية، فكانت لا ضابط لها، وخاصة بعد أن فر جلال الدين منكبرتي وأخواه،
كما كانت أكثرية هذه الجيوش من قبيلة كانكالي التركية وهي من الجيوش المرتزقة التي لا يهمها في كثير أو قليل أن تدافع عن الأراضي الخوارزمية،
وصل القواد المغول الثلاثة إلى المدينة وطلبوا من أهلها التسليم ووعدوهم حسن المعاملة وأعلن لهم جوجي أن أباه جنكيز قد أعطاه إقليم خوارزم ليحكمه وأنه حريص على أن يقي حاضرة هذا الإقليم من التخريب، كما أخبرهم أنه حذر جنوده إلا يمسوا هذا الإقليم بأذى . 
هذا إلى أن السلطان المتوفى علاء الدين خوارزمشاه كان قد أرسل إلى أهالى هذه المدينة على إثر تقهقره وفراره ينصحهم بالتسليم وعدم المقاومة، صوناً لأرواحهم، 
وقد جاء في رسالة علاء الدين لهم ما يأتي :
{
إن لأهل خوارزم علينا وعلى سلفنا من الحقوق المتلاحقة والسوالف الحاضرة والسابقة ما يجب علينا النصح لهم، والإشفاق عليهم ، ..
وهذا العدو عدو غالب، فعليكم بالمسالمة والطريق الأرفق ودفع الشر بالوجه الأوفق .}
ورغم تحذير جوجي ونصح السلطان الخوارزمي لهم فقد انقسم السكان إلى معسكرين :
وقد انتصر أنصار الرأي الثاني ووقفت المدينة موقف الدفاع، واستعد السكان للمقاومة،
ولما أدرك المغول عزم الخوارزميين على المقاومة استعدوا بدورهم للقتال فنصبوا حول المدينة آلات الحرب من مجانيق ومتاريس وغيرها،
ولما كانت الأراضي المحيطة بالمدينة فقيرة من الأحجار التي يحتاج إليها المغول في أعمال الحصار التي يقذفونها على المدن المحاصرة بواسطة المجانيق ؛
فقد اقتلعوا عدداً كبيراً من أشجار التوت وقطعوا سيقانها قطعاً مستديرة تركوها فترة من الزمن في الماء حتى ازدادت قوة، واستطاعوا بعد ذلك أن يستعملوها في مجانيقهم لتحطيم أسوار المدينة ،


-------------------------------------------------------------------
3
هجوم المغول على المدينة واحتلالها :
على أن هزيمة المغول في هذه المرة ترجع إلى تلك الفوضى التي حلت بالجيوش المغولية، نتيجة لخلاف نشأ بين جوجي وجغتاي ابني جنكيز خان،
كما نقلوا إليه أنباء الخلاف الذي نشأ بين ابنيه، وما أدى إليه من شقاق وفساد وفوضى في صفوف الجيش المغولي،
ولما أعاد القائد الجديد تنظيم جيشه وقضى على تلك الفوضى التي انتشرت في صفوف الجيش أمر جنده بالهجوم على المدينة، واستطاع المغول في النهاية أن يخترقوا أسوارها وأن يرفعوا أعلام النصر على هذه الأسوار،
ثم أشعل المغول النار في منازل المدينة ومبانيها، وعلى الرغم من نجاح المغول في اختراق حصون المدينة صمم الخوارزميون على الاستماتة في الدفاع عن أنفسهم وعن مدينتهم، وقد ساهم النساء والأطفال في هذا الجهاد ،
فغضب القائد المغولي وقال: ماذا رأوه من هيبتي، وقد أفنوا الرجال وطاولوا القتال؟ فأنا الذي شاهدت هيبتهم وها أنا أريهم هيبتي .
وكان على كل جندي من المغول أن يقتل أربعة وعشرين رجلاً خوارزمياً، فإذا علمنا أن الجيش المغولي كان يتكون من مائة ألف رجل أدركنا ذلك العدد الغفير من السكان الذين كان نصيبهم الهلاك . 



وأخيراً لم يبق من السكان في المدينة إلا الفتيات الصغيرات والأطفال الذين استرقهم المغول .
------------------------------------------------------------------
5
وصف ابن الأثير لما حدث لخوارزم :
وقد صور ابن الأثير ما اصاب هذه المدينة تصويراً دقيقاً في هذه العبارة:
{
ثم أنهم فتحوا السد الذي يمنع ماء جيحون عن البلد فدخله الماء، فغرق البلد جميعه، وتهدمت الأبنية، وبقي موضعه ماء ولم يسلم من أهله أحد البتة ؛
فإن غيره من البلاد قد كان يسلم بعض أهله منهم من يخافي ومنهم من يهرب، ومنهم من يخرج ثم يسلم، ومنهم من يلقي نفسه بين القتلى فينجو،
---------------------------------
ومن الطريف المؤلم أن جنكيز خان لما استولى على مدينة ترمذ، امر بإخراج جميع السكان من المدينة وأمر جنده بقتلهم جميعاً، وقد حدث أن هم أحد المغول بقتل امرأة عجوز فأرادت هذه المرأة أن تفتدي نفسها بجوهرة ثمينة كانت تمتلكها، فلما طالبها المغول بهذه الجوهرة ذكرت أنها ابتلعتها في جوفها، فشق المغولي بطن المرأة وأخرج الجوهرة من جوفها، 


وقد انتشر الخبر سريعاً بين المغول فظنوا أن السكان جميعاً قد خبأوا الجواهر في بطونهم، لذلك أمر جنكيز خان بشق جميع بطون الموتى للبحث عما عسى أن يكون فيها جواهر ،
-------------------------------------------------------------------

إرسال تعليق