السلوقيون في فارس والعراق وسوريا (2)
---------------------------------------------------------------
كانت وفاة الاسكندر المفاجئة، عام 323ق.م، قد فتحت الآمال أمام عدد من قادته لإنشاء ممالك خاصة بهم، على الرغم من تشبث بعضهم بفكرة وحدة الامبراطورية .
1- تنصيب أرهیدایوس المجنون أخا الأسكندر ملكا على الإمبراطورية ككل باسم فيليب الثالث، وعند ولادة روكسانا ولدا يكون شريكا لعمه في الحكم، وبعد مرور شهر على ذلك أنجبت المرأة ولدا سمي بالإسكندر الرابع .
2- إيجاد حل لمسألة الوصاية على الملكين، بوضع برديکاس وكراتیروس وصيان على الملك فليب الثالث(أرهيدايوس) المجنون؛ والإسكندر الرابع الرضيع ، كما منح برديكاس في هذا المؤتمر منصب القائد الأعلى للجيوش في آسيا، يساعده في ذلك القائد ميليجر.
3- كما تقرر توزيع الولايات المهمة في الإمبراطورية على أبرز أشهر القادة، على أن يحكموا بصفة ولاة ، خاضعين لحكم الوصي برديكاس الذي اتخذ مدينة بابل مقرا له .
ومن أبرز هؤلاء :
---------------------------------------------------------------------
️مؤتمر تریباراديسوس 321 ق.م - Triparadisos
بعد مؤتمر بابل لم تستقر الأمور نتيجة أطماع القادة و تطلع الوصي على العرش برديكاس إلى الإستحواذ على عرش الإمبراطورية ؛ و لسوء معاملته للقادة الآخرين توجسا ته من طمعهم في الإستقلال ..
ومن ناحية أخرى ، لم يكن الولاة أقل توجسا في نظرتهم إلى بردیکاس وفسروا الكثير من تصرفاته على أنها رغبة منه في الاستحواذ على العرش المقدوني .
ففي مصر تخلص بطليموس من کليومینیس النقراطيسي ، الذي كان عينه الإسكندر ؛ وراح يعمل على تدعيم مكانته، وتأمين حدوده ؛ وبادر بإرسال قوة تمكنت من الاستيلاء قوريني (شرق ليبيا) ، وضمها لمصر في عام 322 ق.م.
لم يلبث بطليموس أن أقدم على خطوة أخرى ، أدت إلى زيادة شكوك پردیکاس ومخاوفه منه ، وكان قد تقرر في مؤتمر بابل تحنيط جثمان الإسكندر على يد أطباء مصريين ، على أن يرسل بعد ذلك إلى مقدونيا لدفنه هناك .
وقد حاول بطلمیوس آنذاك إقناع باقي القادة بأن الإسكندر كان يرغب في أن يدفن في واحة سيوة ، في مصر في رحاب معبد الإله آمون ؛ إلا أن القادة رفضوا الاستماع إلى هذه الفكرة ، لكن بطليموس بيت النية على تنفيذ فكرته ؛ فقام بالاتفاق مع الضابط الذي أسندت إليه مهمة قيادة جنازة الإسكندر للإستيلاء على الجثة ،..
وتنفيذا لهذا الاتفاق قام هذا الضابط بتغيير خط سير الجنازة ، فاتجه بها إلى جنوب سوريا حيث سلم الجثمان إلى رجال بطليموس . وتم دفن الجثمان في منف في البداية ثم نقل إلى الإسكندرية بعد ذلك .
وكان بطليموس يرمی من وراء هذه الخطوة إلى جعل مصر عاصمة للإمبراطورية المقدونية ؛ لأنها ستصبح بذلك الولاية التي تحوي قبر مؤسس الإمبراطورية و الذي ارتفع في نظر
الإغريق إلى مرتبة التقديس ...
------------
و في باكتريا الهندية تمرد الجنود اليونانيون الذين تركوا هناك لحفظ الأمن ، وطالبوا بالعودة إلى أوطانهم وانضم إليهم السكان المحليين أيضا معلنين تمردهم على السلطة، وبلغ مجموعهم الكلي 20.000 من المشاة و 3000 من الفرسان .
كانت.مهمة الوصي برديكاس القضاء على المتمردين وإيقاف تقدمهم، وفي طريقهم اعترضهم جیش مقدوني كبير تفوق عليهم بسلاح الفرسان المقدوني والآسيوي، بقيادة بيثون (Peithon) تمكن الأخير من هزيمتهم بعد إتباعه الحيلة والخديعة معهم ..
أما في اليونان فقد حصلت مجموعة من التمردات في المدن اليونانية، عرفت في التاريخ بالحرب اللامية - نسبة إلى بلدة لاميا (Lamia) بمنطقة فيثوتيس بإقليم تساليا - وكان لمدينة أثينا الدور الكبير والقيادي في تلك الحروب .
وكان للمعارضين جيش مؤلف من مجموعة من الفرق المتحالفة، وكانت كل فرقه بقيادة قائدها الخاص من المدينة نفسها، أما قيادة جميع الجيوش فكانت بيد الخطيب الشهير ديموستينس ؛ الذي تمتع بشهرة كبيرة في مقاومة الحكم المقدوني .
تمكنت هذه القوى المتحالفة في شتاء سنة 323ق.م من محاصرة القائد أنتیباتروا في لاميا, إلا أن التعزيزات التي جاءت إليه من القادة الأخرين مكنته من صد هجوم المعارضة، وفي النهاية القضاء عليهم بمساعدة القائد کراتیروس .
وفي سنة 322 ق.م تم إعادة السيطرة المقدونية على جميع المدن اليونانية ونشرت الحاميات الدائمة فيها .
أما نهاية ديموستينس فقد كانت الانتحار بدلا من الوقوع بيد أنتياتروا؛ ولم ينس أهل أثينا زعيمهم هذا، إذ عملوا له تمثالا من البرونز في سوق المدينة ,بعد بعد مرور 42 سنة على وفاته .
وبعد تقسيم الولايات سنة 323ق.م بدأت أطماع حكامها بالظهور، فكانت المدة التي جاءت بعد مؤتمر بابل مليئة بالمكائد والاغتيالات والحروب الطاحنة استمرت نحو سنة، أطلق عليها عصر الديادوخي(Diadochoi) التي تعني خلفاء الإسكندر ممن عاصروه، والتي انتهت في سنة 281ق.م بمقتل آخر القادة وهو الملك سلوقس الأول،.
أما الوقت الذي جاء بعد موت الأخير أطلق عليه عصر الأيجوني (Epigono)، أي الأجيال أو أبناء الخلفاء ، وأول من سقط ضحية هذا الصراع الوصي برديكاس، والوصي الثاني کراتیروس، وهذا ما سوف نتناوله.
حصل برديكاس على دعم البيت الملكي، فقد ساندته أم الإسكندر أولمبياس,و أفضى هذا الدعم إلى تقلده منصب الوصاية على الملك فليب الثالث والملك الإسكندر الرابع, ثم عمل على خطوبة كليوباترا أخت الإسكندر المقدوني ، وبهذا يكون قد وضع تحت يديه جميع البيت الحاكم ...
لكن هذه التطورات أقلقت القادة الآخرين لاسيما أنتيجونيوس الأعور، الذي هرب إلى مقدونيا خوفا منه، وهناك التقى بأنتيباتروا وكراتيروس، واخبرهم بعزم برديکاس على تنصيب نفسه ملكا على عرش الإسكندر ..
كما أخطأ برديكاس في معاملة هؤلاء القادة على أنهم تابعين له، مما أثار حفيظتهم ودفعهم إلى تحدي أوامره، كما عمل على جعل حاكم ولاية مصر بطليموس الأول خارجا عن السلطة المركزية، بعد قيامه بعدد من الأعمال التي أثارت مخاوفه.
بعد ذلك كون القادة تحالفا ضده شمل كلا من أنتيجونيوس وانتيباتروا وكراتیروس وبطليموس الأول، وقد عمل الأخير على إثارة غضبه عن طريق استيلائه على جثة الإسكندر ..
هؤلاء القادة لم يعارضوا السلطة الملكية ولكن كانوا معارضين لبرديکاس. أما من كان في جانب الأخير فهو القائد يومينيس حليفه الذي بقي وفيا للبيت الملكي حتى وفاته ، ثم قام بتقسيم جيشه بينه وبين يومينيس، واصطدم الأخير مع قوات كراتيروس، وتمكن من إلحاق هزيمة فادحة في قواته، ولاقى خصمه حتفه في المعركة التي كان مسرحها آسيا الصغرى..
أما برديكاس فقد توجه على رأس قواته إلى مصر، لتأديب حاكمها بطليموس الأول، وكان بصحبته في الحملة الملكين فيليب الثالث والإسكندر الرابع، وظن أن بقاء عدد من القادة
في مناطقهم يمثل خطرا عليه، فالواجب اصطحابهم ليكونوا تحت مراقبته، لاسيما سلوقس الذي لم يمنح أي ولاية حسب مؤتمر بابل، فخاف على بلاد بابل من أطماعه، وفضل اصطحابه في الحملة على مصر
وصل برديکاس بجيشه حدود مصر، إلا أنه فشل في عبور نهر النيل ثلاث مرات من الفرع البيلوزي الشرقي، وفقد في كل مرة العديد من الرجال في النهر ، ولما كان مكروها من قبل جنوده وضباطه بسبب ما عرف عنه من تعجرف وكبرياء، فانهم قرروا التخلص منه .
وذكر أن سلوقس كان قائد المتمردين ، الذين دخلوا عليه الخيمة وقتلوه ؛وأول من طعنه الطعنة الأولى قائد الحرس انتيجونس (Antigons) ثم اتبعه بالضرب أتباعه من
الحرس.
وهكذا يكون نهر النيل قد خلص بطليموس الأول منه، ثم عمل على احداث تمرد أدى إلى مقتله على يد الضباط الذين خشي تركهم في مناطقهم فقتلوه في خيمته، وإلى هنا يكون فقد في الصراع اثنين من المقدونيين وهم برديکاس وكراتیروس.
ثم أعلن الجيش إحلال السلام بين الطرفين ، وانسحب بعد ذلك مع الملكين لتوحيد القوى مع انتيباتروا وأنتيجونيوس، اللذان كانا يزحفان من الشمال لمساندة حليفهم بطليموس
الأول ، الذي عرض عليه منصب الوصي على العرش المقدوني بدلا من بردیکاس، لكنه رفض .
وأسند هذا المنصب بشكل مؤقت إلى القائدين بيثون وأربایوس، ليتم التوصل إلى اتفاق مع انتيباتروا وانتيجونيوس .
ثم التقى الطرفان في شمال سوريا في منطقة تريباراديسوس، ولكن المشاة المقدونيين في جيش برديكاس مازالوا مضطربين ومعلنين تمردهم بسبب مقتل قائدهم ، الذي تمت عملية اغتياله بقيادة سلاح الفرسان، واهمال رأيهم في ذلك على الرغم من مكانتهم الكبيرة في الجيش .
ومارس أتباع برديکاس وزوجة فليب الثالث "يوريديكي Eurydice " دورا مهما في إثارة المشاة وزيادة غضبهم .
ولإنهاء ذلك عبر القائد أنتيباتروا إلى هؤلاء الجنود الغاضبين بعدما عسكر جيشه في الطرف المقابل للنهر محاولا التفاهم معهم، ولكنهم استقبلوه بالحجارة، ولولا تدخل سلوقس وانتيجونيوس السريع لمات على أيديهم ..
وهنا يظهر الدور القيادي لسلوقس وإذ عمل مع أنتيجونيوس على امتصاص غضب الجنود، والحصول منهم على الموافقة على القرارات الجديدة، التي أقرت في المؤتمر الذي عقد في المنطقة نفسها التي تجمع فيها الجيشان وهي تریبارادیسوس.
خرج المؤتمرون بمجموعة من القرارات المهمة والضرورية في ذلك الوقت، على أثر الوضع الجديد، فأهمها:-
1- انتخاب القائد أنتيباتروا الذي كان من أكبر الموجودين سنا بمنصب الوصي, بدلا من برديكاس على الملكين فيليب الثالث والإسكندر الرابع، وبذلك يكون ثقل الإمبراطورية قد نقل من آسيا إلى أوربا ,وذلك بانتقال الوصاية إلى انتيباتروا الذي يحكم مقدونيا.
2- أعادة تقسيم الولايات من جديد وهذا يعد من أهم الأشياء بالنسبة للمؤتمرين، فكان شيئا.ضروريا لايجاد البدائل عن الحكام الموالين لبرديکاس، وبذلك يكونون قد ضمنوا
عدم حدوث تمرد على السلطة المركزية ولو لبعض الوقت.
3- منح أنتيجونيوس إحدى الوظائف المهمة التي كان يشغلها برديکاس، فأصبح القائد.العام لكل القوات المقدونية في آسيا، فضلا عما حصل عليه في مؤتمر بابل 323ق.م .
4- إن أعظم وأهم النتائج التي خرج بها المؤتمر منح سلوقس ولاية بابل ، وذكر أنه صمم عليها بعد أن عرضت عليه في المؤتمر عدة ولايات، مستفيدا من تجربة بطليموس الأول الذي أصر على اختياره لولاية مصر، ذلك الموقع الحصين الذي أنهى حياة برديکاس .
5- منح بطليموس الأول مناطق جديدة كان قد وضع يده عليها مسبقا، وتثبيته على ولاية مصر ..كما أنه كان من أكثر القادة نفوذا يوم الاجتماع في تریباراديسوس، وذلك يرجع إلى الدور الكبير الذي لعبه في القضاء على برديکاس، ولو قدر له أن يعلم ما سوف يحدث لدولته على يد سلوقس وأبنائه لما وافق على منحه ولاية بابل .
من ذلك كله يمكن القول أن سلوقس لم يهمش في هذا المؤتمر مثلما همش في مؤتمر بابل 323ق.م، بل منح ولاية بابل وبذلك يكون قد تساوى مع أقرانه من القادة الآخرين حكام الولايات بل تفوق على عدد منهم بحصوله على هذه الولاية المهمة للإمبراطورية، وهذا دليل على نشاطه ودوره الكبير في السنوات التي جاءت بعد مؤتمر بابل وفي القضاء على برديكاس .
--------------------------------------------------------------------
ولاية سلوقس الأول على بلاد بابل (321-316ق.م)
منحت ولاية بابل في سنة 323 ق.م إلى القائد أرخون ، إلا أنه لم يستمتع بحكمها طويلا، اذ وضعه برديكاس ضمن معارضيه، وفي أثناء توجه الأخير إلى مصر عمل على إرسال أحد الضباط ليحل محله، إذ رأى فيه شخصا يمكن الاعتماد عليه ومن الموالين المخلصين له، واسمه كان دوكيموس (Docimos) .
توجه الأخير إلى بابل لخلع حاكمها الذي رفض قرارات برديکاس الجديدة، مما أدى إلى حدوث اصطدام مسلح بين
الطرفين، ولكن السكان المحليين حسموا الموقف بانضمامهم إلى مبعوث الوصي أي الحاكم الجديد دوكيموس، فرحبوا به وأعلنوا عودة مدينتهم إلى حكم الوصي برديکاس.
ولكن الموقف تغير بعد مصرع الأخير في مصر وانتصار المعارضة .
ويبدو أن أهل بابل بانضمامهم إلى مبعوث الوصي وحسمهم للموقف حاولوا أن يجنبوا مدينتهم خراب الحرب, لاسيما أن هذا الحاكم الجديد يقف خلفه ألمع شخصية في ذلك الوقت، أي انهم في الأول والأخير سيخضعون إلى حكم برديكاس لولا ما حصل في مصر وقتله غرة.
أما مصير ولاية بابل في المؤتمر الأخير الذي عقد في شمال سوريا 321ق.م هو منحها إلى سلوقس الأول، وليس من المعقول إبقاؤها تحت حكم قائد موالي إلى برديکاس
المقتول ...
وبعد مرور سنة من انعقاد المؤتمر نسمع عن وقوعها تحت حكم سلوقس بعد هروب دوكيموس عنها ، مع مجموعة من المحاربين الموالين لبرديکاس، فعمل بعد ذلك على فرض سيطرته على المدينة بالكامل وتقوية مركزة فيها .
وكان سلوقس يراقب من مدينة بابل سير الأحداث بقلق في أراضي البحر المتوسط إذ تصاعد نجم أنتيجونيوس في الغرب .
وفي الولايات الشرقية كان هناك قادة يملكون جيوش
مقدونية ويونانية قوية، ولاسيما شخصيتان من ألمع وأقوى ما موجود وهما بيثون حاكم ميديا ،
أما القائد الأخر فهو من المقربين للإسكندر وهو بيوكستاس (Peucestus) تعلم الأخير اللغة والعادات الفارسية، فعمل بذلك على كسب السكان المحليين إلى جانبه, فضلا عن ما لديه من قوة مقدونية.
وجاء في مؤتمر تریباراديسوس تأكيد حكم هذا القائد
على ولاية فارس ، فقد كان قد حصل عليها من الإسكندر ، وكان الأولى منه كان بيثون القائد الطموح الذي طمع في السلطة وحاول التوسع على حساب الولايات الأخرى ..
وهنا جاءت الفرصة إلى بيوكستاس الذي عمل على تكوين تحالف مع باقي الولايات المجاورة التي أحست بخطر بيثون، كانت النتيجة هزيمة الأخير وهروبه إلى مدينة بابل بضيافة
سلوقس .
الذي لم يقدم أي دعم لضيفه، إذ كان يفضل عدم الاشتراك في هذه الاضطرابات حتى يتمكن من تكوين قوة قوية في بابل .
أما الوضع في الغرب، فقد مات الوصي انتيباتروا سنة 319ق.م، بعد قضائه مدة عامين في منصبه، بعد ذلك انتقل منصب الوصاية إلى يد القائد بوليبريخون(Poleperchon).
وكان ابن الوصي السابق كاساندروس Cassandros ابن
بوليبرخون يطمح بالحصول على ذلك المنصب .. مما أدى إلى تطورات خطيرة سنكمل الحديث عنها فيما بعد (*1)
--------------------------------‐‐--------------------------‐-----
(*1) نشوء الدولة السلوقية وقيامها /د.حسن حمزة جواد
/كلية الآداب بجامعة بغداد بإشراف الأستاذ الدكتور جواد مطر الموسوي ۱٤٢٩ ه - ۲۰۰۸ م / بتصرف الفصل الأول ص٤٢ - ٥٠
تملأ الإضافات -ان شاء الله- لاحقا لمصادر المؤلف


إرسال تعليق