البسوس و المهلهل (5)
-------------------------------------
قصة أدبية تاريخية رائعة
الزير سالم في الأدب الشعبي
-------------------------------------
يا خَلِيلَيَّ !! نَادِيَا لِي كُلَيْباً
قبلَ أنْ تبصرَ العيونَ الصباحا
يَا قَتِيلاً نَمَاهُ فَرْعٌ كَرِيمٌ
فقدهُ قدْ أشابَ مني المساحا
كيفَ أسلو عنِ البكاءِ وَ قومي
قَدْ تَفَانَوْا فَكَيْف َ أَرْجُو الْفَلاَحَا
ذهب َ الدهرُ بالسماحة ِ منا
يا أذى الدهرِ كيفَ ترضى الجماحا
-----------------
ولما أصبح المهلهل غدا إلى أخيه فدفنه، وقام على قبره يرثيه ، وما زال المهلهل يبكي أخاه ويندبه ، ويرثيه بالأشعار ، وهو يجتزئ بالوعيد لبنى مرة ، حتى يئس قومه ، وقالوا : إنه زير نساء !!!
وسخرت منه بكر ، وهمت بنو مرة بالرجوع إلى الحمى !!
وبلغ ذلك المهلهل فانتبه للحرب ، وشمر ذراعيه ، وجمع أطراف قومه ،...
ثم جز شعره ، وقصر ثوبه ، وآلى على نفسه ألا يهتم بلهو ولا يشم طيباً ، ولا يشرب خمراً ، ولا يدهن بدهن حتى يقتل بكل عضو من كليب رجلاً من بنى بكر بن وائل.
-----------------
وحث بنى تغلب على الأخذ بالثأر ، فقال له أكابر قومه :
إننا نرى ألا تعجل بالحرب حتى نعذز إلى إخواننا ، فبالله ما تجدع بحرب قومك إلا أنفك ، ولا تقطع إلا كفك !
فقال: جدعه الله أنفاً ، وقطعها كفاً ، والله لا تحدثت نساء تغلب أني أكلت لكليب ثمناً ولا أخذت له دية !!
فقالوا : لا بد أن تغض طرفك وتخفض جناحك لنا ولهم ،
فكره المهلهل أن يخالفهم فينفضوا من حوله ،
فقال: دونكم ما أردتم.
وانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل فعظموا ما بينهم وبينه، وقالوا له:
إنكم أتيتم أمراً عظيماً بقتلكم كليباً بناب من الإبل، وقطعتم الرحم، ونحن نكره العجلة عليكم دون الإعذار، وإننا نعرض عليكم إحدى ثلاث، لكم فيها مخرج ولنا مرضاة.
إما أن تدفعوا إلينا جساساً فنقتله بصاحبنا، فلم يظلم من قتل قاتله .
وإما أن تدفعوا إلينا هماماً أخاه فإنه ند لكليب ،
وإما أن تقيدنا من نفسك يا مرة ، فإن فيك رضا القوم.
--------
فسكت مرة و أطرق وقتا !
وقد حضرته وجوه بنى بكر بن وائل فقالوا:
تكلم غير مخذول ، فقال:
أما جساس فغلام حديث السن ركب رأسه ، فهرب حين خاف ، فوالله ما أدري أي البلاد انطوت عليه .
وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة، ولو دفعته إليكم لصيح بنوه في وجهي وقالوا: دفعت أبانا للقتل بجريرة غيره.
وأما أنا فلا أتعجل الموت ، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل !
لكن هل لكم في غير ذلك ؟ هؤلاء بنيّ فدونكم أحدهم فاقتلوه ،
وإن شئتم فلكم ألف ناقة تضمنها لكم بكر بن وائل.
فغضبوا وقالوا : إنا لم نأتك لترذل لنا بنيك ، ولا لتسومنا اللبن !!!
ورجعوا فأخبروا المهلهل، فقال :
والله ما كان كليب بجزور نأكل له ثمناً.
******************************************
دعوتك َ يا كليبُ فلم تجبني
وكيف يجيبني البلدُ القَفارُ
أجبني يا كُليبُ ! خلاك ذمٌ
ضنيناتُ النفوس لها مَزارُ
أجبني يا كُليبُ ! خلاك ذمٌ
لقد فُجِعتْ بفارسها نِزارُ
أبت عيناي بعدك أن تَكُفا
كأن ّ غضا القتادِ لها شِفار
كأني إذ نعى الناعي كليباً
تطاير بين جنبي الشرار
أتغدو يا كليبُ معي إذام
جبان القوم أنجاه الفِرارُ ؟
خُذِ العهد الأكيد عليَّ عُمري
بتركي كل ما حوت الديارُ
وَهَجري الغانِياتِ وَشُربَ كَأسٍ
وَلُبسي جُبَّةً لا تُستَعارُ
ولستُ بخالعٍ درعي وسيفي
إلى أن يخلع الليل النهارُ
وَإِلّا أَن تَبيدَ سَراةُ بَكرٍ
فَلا يَبقى لَها أَبَداً أَثارُ
كَاَنّي إِذ نَعى النّاعي كُلَيباً
تَطايَرَ بَينَ جَنبَيَّ الشَرارُ
سَأَلت ُ الحَيَّ أَين َ دَفَنتُموهُ
فَقالوا لي بِسَفحِ الحَيِّ دارُ
فَسِرتُ إِلَيهِ مِن بَلَدي حَثيثاً
وَطارَ النَوم ُ وَاِمتَنَعَ القَرارُ
وَحادَت ناقَتي عَن ظِلِّ قَبرٍ
ثَوى فيه ِ المَكارِمُ وَالفَخارُ
لقد أذكى بكاؤه ضريم النيران و أمدها كل يوم بوقود يزيدها تأججا ولهيبا !!
وهاهو يلوم ابناء تغلب و يشكو تباطؤهم في الثأر لكليب يقول له في مرقده :
نُبِّئتُ أَنَّ النارَ بَعدَكَ أوقِدَت
وَاِستَبَّ تَعدَكَ يا كُلَيبُ المَجلِسُ
وَتَكَلَّموا في أَمرِ كُلِّ عَظيمَةٍ
لَو كُنت َ شاهِدَهُم بِها لَم يَنبِسوا
وَإِذا تَشاءُ رَأَيتَ وَجهاً واضِحاً
وَذِراعَ باكِيَةٍ عَلَيها بُرنُسُ
تَبكي عَلَيكَ وَلَستُ لائِمَ حُرَّةٍ
تَأسى عَلَيكَ بِعَبرَةٍ وَتَنَفَّسُ
استطاع المهلهل فى أيام قليلة أن يلهب مشاعر قومه وبنى عمومته بل و غيرهم بأشعاره المؤثرة التى تطعن في القلوب قبل أن تشغف الأذان !!
فأصبح كل منهم مهلهلا !! يسعي لثأر كليب كأنه أخوه أو ربما اكثر !! فجمع حوله أسودا ضوار !!!
إنظروا أثر الكلمة !! إنظروا سحر البيان كيف يفعل !!
كيف يمكن لكلمات بليغة أن تصنع ملحمة ؟ !!
ولما تيقن من حماسة قومه للثأر لكليب و ضع شروطا مستحيلة للصلح مع بكر فقال لهم أحيوا لى كليبا ! :
يا لِبَكرٍ أَنشِروا لي كُلَيباً
يا لِبَكرٍ أَينَ أَينَ الفِرارُ
يا لِبَكرٍ فَاَظعُنوا أَو فَحِلّوا
صَرَّحَ الشَرُّ وَبانَ السَرارُ
لَمّا نَعى الناعي كُلَيباً ؛ أَظلَمَت
شَمسُ النَهارِ فَما تُريدُ طُلوعا
قَتَلوا كُلَيباً ثُمَّ قالوا أَرتِعوا !
كَذَبوا لَقَد مَنَعوا الجِيادَ رُتوعا
كَلّا ؛ وَأَنصابٍ لَنا عادِيَّةٍ
مَعبودَةٍ قَد قُطِّقَت تَقطيعا
حَتّى أُبيدَ قَبيلَةً وَقَبيلَةً !
وَقَبيلَةً وَقَبيلَتَينِ جَميعا
وَتَذوقَ حَتفاً آلُ بَكر ٍ كُلُّها
وَنَهُدَّ مِنها سَمكَها المَرفوعا
حَتّى نَرى أَوصالَهُم وَ جَماجِماً
مِنهُم عَلَيها الخامِعاتُ وُقوعا
وَنَرى سِباعَ الطَيرِ تَنقُرُ أَعيُناً
وَتَجُرُّ أَوصالاً لَهُم وَضُلوعا
وَالمَشرَفِيَّةَ لا تُعَرِّجُ عَنهُمُ
ضَرباً يُقُدُّ مَغافِراً وَدُروعا
وَالخَيلُ تَقتَحِمُ الغُبارَ عَوابِساً
يَومَ الكَريهَةِ ما يُرِدنَ رُجوعا
******************************************
☆ الأشعار انظر ديوان المهلهل أو ديوانه علي : الديوان .موسوعة الشعر العربي .لم نتمكن من نشر الرابط
-----------------
التالي ... مؤتمر الحرب.
البسوس والمهلهل كبري ملاحم العرب
تابعونا #البسوس_والمهلهل_جواهر (5)
.jpg)

إرسال تعليق