(8) البسوس و المهلهل
قصة أدبية تاريخية رائعة
----------------------------------------
--------------------------------------------------------------------
كان الحارثُ بن عباد في فناء خَيمتِهِ عندما جاء الوفد إلى الحيِّ عائدين من رِحلتِهم إلى المُهلهِل بن ربيعة،...
وكانت زَوجُه أمُّ الأغرِّ ابنةُ ربيعة أختُ كُليب والمُهلهِلْ قاعدةً عند أطراف الخيام، تَنتظِر كعادتِها كلَّ يومٍ عودَةَ الوفد لكي ترى ابنها الحبيب عائدًا معهم .. 
فإنَّها أحَسَّتْ منذ أرسلَهُ زَوجُها الحارث أنَّ فَلْذةَ كبِدِها يَسير مع ذلك الوفد مُتعرِّضًا للهلاك . ...
كانت أمُّ الأغَرِّ تعرِفُ أخاها المُهلهِل، وكانت تُحسُّ أنَّ الرَّحِم لن تُلين قلبه ولن تعطفه على ولدِها الحبيب؛ لأنَّ دمَ كليب قد طمَسَ على قلبه، فلم يَبقَ فيه مَحلٌ لرحْمَةٍ ولا مَودَّة ....
ولمَّا رأتِ الرُّسل مُقبلين وحدَهم، أحسَّ قلبُها بما كان، كأنَّها شهِدَتْه بِعينَيها، فقامَتْ مُسرعةً تسأل في لهفةٍ عن ولدِها سؤال الوالِهِ المَشدوه، فأطرَقَ الرُّسل ومَضَوا في سبيلهم نحو خَيمة زَوجها صامِتين، ....
ولم تَقْوَ ألسنَتُهم على النُّطق أمام الأم الثَّكلى، فاشتعلَ قلب المرأة وصاحَتْ في لَوعة، وَولوَلَتْ تَنوح في حُرقة، فَسَمِعها نِساء الحيِّ فأقبلنَ نحوَها سِراعًا وأجَبْنها بالعويل حتَّى اشتعلَ الحيُّ كلُّه بالصِّياح والبكاء.... 
---------------------------------
فقال الحارث : نعم القتيل بجير ! أصلح بين بنى عمومة بعد أن تفانوا فى الحرب .
فقال الوفد لكنه لم يقتله بدم كليب بل قتله بشسع نعله وتوعد أن يفنى بنى شيبان ولن يكف عن الحرب !!!
فطار عقل الحارث !! وقال لقد بر الخبيث بوعده أن يقتل بكل عضو من كليب سريا حتى الشسع ؛ وكان ولدي قتيل ذلك الشسع !!!
ثم ضحك ضحكة مجلجلة مخيفة هزت أرجاء المكان !
ثم قال : الآن حقت لى الحرب ، لتذوقن تغلب عاقبة ظلمها ، ثم نادي على عبدين كانا علي مقربة وكان له فرس قوية يسميها النعامة :
قربا مربط النعامة منى
إن قتل الكريم بالشسع غال
قربا مربط النعامـــــــة مني
لقحت حرب وائل عن حيال
قربا مربط النعامة مني
ليس قولي يراد ؛ لكن فعالي
قربا مربط النعامــــــة مني
شاب رأسي وانكرتني العوالي
قربا مربط النعامة مني
طال ليلي علي الليالي الطوال
قربا مربط النعامـــــــة مني
ليس قلبي عن القتال بسال
قربا مربط النعامة مني
لبجير : مفكك الأغــــلال
قربا مربط النعامة مني
لكريم ؛ متوج بالجمـــــال
قربا مربط النعامة مني
لا نبيع الرجال بيع النعال !
قرباها بمرهفات حــــداد
قراع الأبطال يوم النزال
ثم دخل خيمته وخرج مرات عديده يجهز درعه وسلاحة .
ثم مسح على رأس النعامة فرسه وأمسك ذيلها فجزه بسيفه قائلا لا تدليل بعد اليوم .
ثم اخذ مرة وجحدر وكبار قيس بن ثعلبة إلى خيمته ليتشاوروا وانصرف الفتيان يجهزون خيولهم وأسلحتهم .
و زحفوا يطاردون تغلب ويوقعون بهم الهزائم المتتالية .
-----------------------------------------------------------------
منطلقين كالذئاب الجائعة ، لييغسلوا عن كرامتهم مالحقهم من هزائم و إهانة بالغة .
فوقف الفارس التغلبي الكهل امرؤ القيس متكلما في ذلك الجمع من تغلب فأصغوا إليه :
{ لقد نصحت المهلهل أن لا يقتل الفتى بجير بن الحارث فلم يسمع لنصيحتى !
وقد رأيتم تألب بكر علينا ؛ وإنفض الناس من حولنا وكفوا عن نصرتنا ، بل إن منهم من إنضم إلى بكر لقتالنا ! حتى لم يعد يحالفنا نصر ومزقونا تمزيقا .
والرأى عندي أن نرحل من هذا القفر الأجرد ، وحسبنا ما لقينا فيه ..}
فتحرك فتيان تغلب هاتفين صدقت يا هجرس بن كليب ألا بعدا للجبناء ، لا نطيع إلا المهلهل ، فليمض بنا حيث شاء إنا لن ندع الحرب أبدا !!! ...
فليس بيننا وبينهم إلا طعن الكلى ، وحد السيوف فلا نوادعهم حتى نفنيهم جميعا !!
------------------------------------------------------------------
والنصر ولى ظهره له ببغيه !!
نهض القوم في اضطراب وضجيج ، فانصرف الشيوخ واجتمع الشبان فى صعيد واحد ، ....
جرفتهم الحماسة إلى خيمة المهلهل الذي كان طريح الفراش لإصابة في ذراعه منذ آخر موقعة هزم فيها القصيبات ؛
فتحرك المهلهل من مكانه محاولا القبض على سيفه ، لكن جرحه منعه ! فصاح : اما زال امرؤ القيس ينفث سمه ؟ ! لأذهبن إليه فأهشم رأسه !!! 
ثم تحامل على نفسه وارتدي حلته وخرج لهؤلاء الفتيان فصاح فيهم :
فلتعلموا أن الحارث ما بعث إلى بابنه لأقتله إلا لأكف عن الحرب التى مزقت بكرا وكانت حيلة منه لينقض عهده معنا ويدخل فى الحرب لكثرة من قتلنا من أقاربه بني شيبان !!
وما كنت لأخاف هذه الزواحف ؛ وحق آلهة وائل ما هو بمنته حتي أذيقه عضة سيفي .
---------------------------------------------------------------------
يوم تحلاق اللمم 
تجهز بنو بكر للمسير إلى تغلب فى وادى قضة ، ولم يدعوا لهم فرصة يتنفسون فيها عقب هزيمتهم فى القصيبات ،...
وكان فيهم فرسان من بني شيبان وقيس بن ثعلبة وعجل وحنيفة ومعهم البطل الشاعر الفند بن سهل سيد قبائل بكر باليمامة ؛ واجتمعوا لرسم الخطة .
فصاح جحدر نحمل معنا من الماء ما يكفينا و تقف النساء به من خلفنا ليسقين عطشانا وليضمدن جرحانا .
فقالوا وكيف يعرفننا من عدونا فقال أحدهم نحلق جميعا رؤوسنا ؛ فقالوا نعم وليكن يوم تحلاق اللمم ولنعط النساء سلاحا من وجدنه له شعر يقتلنه فهو من عدونا .
فلما كان ذلك اليوم إلتحم الجيشان وعلا الغبار ، واستعر أوار الحرب في وهج الشمس المحرقة ، فلما أحست تغلب شدة وطأة عدوها لجأت إلى الحيلة فتظاهرت بالإنسحاب ؛ ....
فتبعتها بكر حتى منتصف الوادى ، فاستداروا لهم فجأة فشدوا عليهم وهم فى تفرقهم !!!
وكر عليهم المهلهل كالصاعقة وحوله حلقة من صناديد تغلب ، يضربون كأنهم يحصدون رؤس بنى بكر ؛ فانهزموا وولوا مدبرين ؛ ....
فوقف نساء بكر في وجوههم وسددن عليهم الطريق وقلن :
إن تقبلوا نعانق ** و نفرش النمارق
إن تدبروا نفارق ** فراق غير وامق
عرس المولى طالق ** و العار منه لاحق
فثارت كرامتهم وأحسوا الخجل ودعا بعضهم بعضا للثبات وثنوا أعنة الخيل إلى وجه عدوهم فكان أعنف إصطدام وأشد قتال .
ولمح الحارث بن عباد وسط أعدائه فارسا مقنعا يهوي كالصاعقة ويضرب في غير كلل فيحصد من أمامه ومن حوله فقال هذا صيد ثمين ، وظنه المهلهل فحمل عليه حتى صار إلي جواره فاحتضنه و غمز فرسه بقدمه فاختطفه فعاد به أسيرا ؛ وكان الحارث يجيد تلك الحيلة الماهرة متدربا عليها ؛
حتى إذا صار به عند النساء قال له حسبتك المهلهل ! لأشفي غلى منه !
فرد المقنع موجها نظره نحو المتقاتلين : إن دللتك عليه تطلقنى حرا ؟
قال الحارث نعم .
قال من يضمنك فأجابه اختر من شئت ؛
فأشار الى الفند بن سهل قائلا هذا الفارس !
فقال الفند بن سهل أنا أضمنه ؛
هم الحارث بسيفه ورفعه عاليا ليهوي به على رأس المهلهل فوقف الفند فى وجهه شاهرا سيفه قائلا لقد ضمنتك أن تطلقه وهو الآن في حماي !
********************************************
ماذا حدث للمهلهل عند ذلك ؟ تابعوا ملحمة العرب..
جواهر #البسوس_والمهلهل_جواهر (
.jpg)

إرسال تعليق