سعد بن أبي وقاص بطل القادسية - الجزء الاول

رجال حول الرسول (صلى الله عليه و سلم) 16



🌹 سعد بن أبي وقاص بطل القادسية
----------------------------------------------------------
🔸 الأسد في براثنه
أقلقت الأنباء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، عندما جاءته تترى بالهجمات الغادرة التي تشنها قوات الفرس على المسلمين .. وبمعركة الجسر التي ذهب ضحيتها في يوم واحد أربعة آلاف شهيد .. وبنقض أهل العراق عهودهم، والمواثيق التي كانت عليهم.. فقرر أن يذهب بنفسه لبقود جيوش المسلمين، في معركة فاصلة ضد الفرس .
وركب في نفر من أصحابه مستخلفا على المدينة علي ابن أبي طالب كرّم الله وجهه .. ولكنه لم يكد يمضي عن المدينة حتى رأى بعض أصحابه أن يعود، وينتدب لهذه الهمة واحدا غيره من أصحابه ..
وتبنّى هذا الرأي عبد الرحمن بن عوف، معلنا أن المخاطرة بحياة أمير المؤمنين على هذا النحو والاسلام يعيش أيامه الفاصلة، عمل غير سديد ..
وأمر عمر أن يجتمع المسلمون للشورى ونودي : _الصلاة جامعة _ واستدعي علي ابن أبي طالب، فانتقل مع بعض أهل المدينة الى حيث كان أمير المؤمنين وأصحابه .. وانتهى الرأي الى ما نادى به عبد الرحمن بن عوف، وقرر المجتمعون أن يعود عمر الى المدينة، وأن يختار للقاء الفرس قائدا آخر من المسلمين ..
ونزل أمير المؤمنين على هذا الرأي، وعاد يسأل أصحابه : فمن ترون أن نبعث الى العراق .. ؟؟ وصمتوا قليلا يفكرون .. ثم صاح عبد الرحمن بن عوف : وجدته .. !! قال عمر : فمن هو .. ؟ قال عبد الرحمن : " الأسد في براثنه .. سعد بن مالك الزهري .. "
وأيّد المسلمون هذا الاختيار، وأرسل أمير المؤمنين الى سعد بن مالك الزهري " سعد بن أبي وقاص " وولاه امارة العراق، وقيادة الجيش .. فمن هو الأسد في براثنه .. ؟ (*1)
من هذا الذي كان اذا قدم على الرسول وهو بين أصحابه حياه وداعبه قائلا : " هذا خالي فليرني امرؤ خاله " !!(*2)
-------------------------------------------------------------------
🔸 التاريخ
بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مكن الله عز وجل لدولة الإسلام فاستطاع الخليفة الراشد أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن يسيطر على جزيرة العرب بكاملها و صارت تدين بدين الله و تدين لدولة الإسلام بعد جهاد كبير فى حروب الردة ..
ثم أطلق أبو بكر رضي الله عنه حملات الفتح إلى بلاد الشام. وكان ذلك بداية ظهور أكبر دولة في العالم لم يشهد مثلها في أي وقت مضى هي دولة الإسلام الجديدة في تصادم مع الإمبراطوريتين البيزنطية الرومية والساسانية الفارسية ، اللتان كانتا تتنازعان على هذه الأراضي لعدة قرون .
وسرعان ما أدت الفتوحات الإسلامية في النهاية إلى زوال الإمبراطورية الساسانية و ضم أراضيها لدولة الخلافة ، وأيضا زحزحة الدولة البيزنطية عن الأراضي الجنوبية والشرقية منها وضمها لدولة الإسلام الراشدة .
🔹فكيف كانت التفاصيل ؟
أمر أبو بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه خالد بن الوليد أن يتوجَّه إلى جنوب العراق ليتألَّف أهلَ فارس ومَن كان في ملكهم من الأمم إلى الإسلام، ويدعوهم إلى الله - عزَّ وجلَّ (*3)،
فتوجَّه خالد بن الوليد بالجيش الإسلامي إلى جنوب العراق، فلمَّا وصل إلى منطقة - الحفير - تصدَّى له هرمز القائد الفارسي في المنطقة، فلم يُصغِ لدعوة الإسلام، ويحقن الدماء، ويقر السلام في المنطقة، بل أعدَّ جيشًا لقِتال المسلمين، فدارتْ معركة بين المسلمين والفُرس قُربَ كاظمة - تعرف (بكاظمة وبذات السلاسل)، انتصر فيها المسلمون، وقُتل هرمز ....(*4)،
ثم توالت هزائم الفرس في (المذار)، و (الولجة)، وفي (أليس) الْتقى خالد بنصارى العرب فانتصر عليهم، فأصبح المسلمون على مشارف (الحيرة)، فانتاب حاكمَها الخوفُ من قدوم المسلمين إليه، فاحتاط لأمره، وتهيَّأ لحرْب المسلمين...
إلا أنَّ خططه العسكرية أخفقت في صد المسلمين فلم تُغنِ عنه شيئًا، فهرب وترَك مسألة الدِّفاع عن (الحيرة) إلى أعيانها، فعَجَزوا عن دفْع المسلمين، وانتهى أمر (الحيرة) بفتحها، وخضوعها لسيادة الدولة الإسلامية،...
وقد أعْطَى خالدٌ أهلَها الأمان، وأقرَّهم على دِينهم، وقد اقتفى دهاقين القرى المجاورة (للحيرة) بأعيان (الحيرة)، فأقبلوا على خالد بالحيرة، فصالحوه ببذْلِ الجِزية، والخضوع لسيادة الدولة الإسلامية، فأعطاهم خالد الأمانَ، وأقرَّهم على ما بأيديهم.
وقد نشط البطل الإسلامي خالد بن للوليد رضي الله عنه في دعوة أهْل المنطقة إلى الإسلام، فأسلم عددٌ من دهاقين(*رؤساء) المنطقة ، كما نجح في إقرار الأمْن والسلام في المنطقة التي خضعتْ لسلطان المسلمين، ..
واتخذ خالد الحيرة قاعدةً للجيش الإسلامي في جبهة العراق، ومقرًا للإدارة المدنية، ولم يتعرَّض في لقاءاته العسكرية مع الفُرس وحلفائهم من نصارى العرب للفلاَّحين، بل أحسن إليهم، ورَفَق بهم، فأخذ منهم الجزية، وصاروا أهلَ ذِمَّة، وبقيت لهم أرضهم حسبَ تعليمات الخليفة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله عنه ....(*5)
و لَمَّا اطمأنَّ خالد بن الوليد إلى اسْتِتباب واستقرار الأوضاع في الحيرة، توجَّه إلى الأنبار وعين التَّمْر، وقد نَجَح في مهمَّته، حيث فتح المنطقة وأخْضع كثيرًا من الأراضي الواقعة على شاطئ الفُرات للمسلمين .
هذا، وقد آزر خالدَ بن الوليد عياض بن غنم، الذي عَهِد إليه أبو بكر بالقضاء على التمرُّد في دومة الجندل، فتمكَّنَا من فتح الدومة، والقضاء على التمرُّد فيها، وإخضاعها للمسلمين، وبذلك أصبحتِ الطرق البرية التي تربط جزيرة العرب بالعراق والشام تحتَ الإدارة الإسلامية .
انتهز نصارى العرب القاطنون على شاطئ الفُرات غيابَ خالد في دومة الجندل، فأعْلنوا تمرُّدَهم على الإدارة الإسلامية، واتخذوا من "حصيد" و"الخنافس" قاعدةً لهم، غير أنَّ خالدًا لما رجع إلى الحيرة قضى على الاضطرابات في المنطقة،(*6)
ثم انطلق بالجيش إلى "الفراض"، حيث اجتمع فيها الفرس والروم ونصارى العرب، وتحزَّبوا ضد المسلمين، فقاتلهم المسلمون قتالاً شديدًا وانتصروا عليهم في منتصف ذي القعدة سنة 12 هـ.
ظلَّ خالد بن الوليد في العراق حتى ربيع سنة 13 هـ،(*7) حيث صدرتْ إليه التعليمات من أبي بكر بالتوجُّه بنِصْف الجيش الإسلامي في العِراق إلى الشام لمساعدة المسلمين هناك....(*8)
تولَّى قيادة الجيش الإسلامي في العراق المثنى بن حارثة الشيباني، وقد اتَّسم بالحَذَر والحيطة، ومتابعة أخبارِ عدوِّه، فأخَذ يراقب الأوضاع العامَّة في المدائن وفي الأراضي الخاضعة للمسلمين، فأذكى العيون، وأقام المسالح (*9)،
غير أنَّه أدرك أنَّ قدرات الجيش الإسلامي في العراق غيرُ كافية للتصدِّي للفُرْس، الذين توحَّدت جبهتُهم الداخلية بتولِّي كسرى يزدجرد القيادة السياسية، ...
فطلب المثنَّى من أبي بكر أن يمدَّه بقوة عسكرية، فلمَّا تأخَّر المدَد، قرر أن يرحل إلى المدينة ليطَّلع الخليفة على أوضاع المنطقة، فلمَّا وصل إلى المدينة، وجد أبا بكر مريضًا و قد عهِد بأمر المسلمين إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
إلاَّ أنَّ أبا بكر لم يشغلْه مرضُه رغم شدته، فأصْغى إلى المثنَّى بن حارثة، فلما وقف على أوضاع المنطقة، وعلى أوضاع الجيش الإسلامي في العراق، أرسل إلى عمر، فلمَّا حَضَر عنده قال له :
《 اسمعْ يا عمر ما أقول لك، ثم اعملْ به، إني لأرجو أن أموتَ مِن يومي هذا، فإن أنا متُّ فلا تمسين حتى تندبَ الناس مع المثنَّى، وإن تأخرتُ إلى الليل، فلا تصبحنَّ حتى تندبَ الناس مع المثنَّى، ولا تشغلنَّكم مصيبةٌ وإن عظمت عن أمْر دِينكم ووصية ربِّكم 》(*10)
ولمَّا توفي أبو بكر رحمه الله و رضي عنه وأرضاه بايع الناسُ عمر صبيحةَ يوم الثلاثاء، فكان أوَّلُ عمل استفتح به عمر خلافتَه نَدْبَ الناس، وحثهم على الخروج للجهاد في سبيل الله في جبهة العراق،...
فكان أوَّلُ مَن خرج إلى المكان الذي حدَّده عمر لاجتماع الناس أبا عبيد بن مسعود الثقفي، فأمَّرَه عمرُ على الجيش؛ لسبقِه الناس، وجرْأته على قِتال الفُرْس، ...(*11)
وأمَر عمرُ المثنَّى بن حارثة أن يعود إلى العراق؛ ليكونَ طليعةً للجيش الإسلامي هناك. قدم المثنَّى بن حارثة إلى "الحيرة" في وقتٍ اضطربتْ فيه الأوضاع العامَّة في المناطق الخاضعة لسلطان المسلمين؛ نتيجةً لتدابير رستم وخططه العسكرية، فقدِ اتصل رستم بدهاقين المنطقة، وشجَّعهم على نقْض عهود المسلمين والثورة ضدَّهم، فثار أهلُ الرساتيق من أعلى الفرات إلى أسفله ... (*12)
فطِن المثنَّى بن حارثة لتدابير رستم وخططه العسكرية، فأعدَّ للأمر عُدَّته، وخرج بالجند من "الحيرة"، وعسكر جنوب العراق؛ لئلاَّ يُؤتى من خلفه بشيء يكرهه، ..(*12)
ظلَّ المثنَّى معسكرًا جنوب العراق ينتظر وصولَ أبي عبيد الثقفي بالمدَد من المدينة، فلمَّا وصل أبو عبيد بن مسعود الثقفي انضمَّ إليه المثنى بن حارثة بالجُند، فالْتقَى المسلمون بالفُرس في "معركة النمارق" فهزموهم، ....
ثم توالتْ هزائم الفُرْس في "كسكر" وغيرها، مما جعل رستم يُعدُّ جيشًا قويًا لمنع تقدُّم المسلمين في المنطقة،. وقد زوَّد رستم الجيش الفارسي بسلاح الفِيَلة، وهو سلاح فتَّاك؛ ليخيفَ جُندَ المسلمين وخيلهم وإبلهم، لعلَّه يُحقِّق تفوقًا عسكريًا عليهم، وأسند قيادةَ الجيش إلى بوهمن جاذويه ..
فنزل الجيش الفارسي "قس الناطف"، فأصبح نهر الفرات بينه وبين المسلمين، فطلَب من أبي عبيد الثقفي قائدِ الجيش الإسلامي أن يَعْبُرَ إليه النهر، أو يأذن له في العبور، فاستشار أبو عبيد عددًا من القادة المسلمين، فأشاروا على أبي عبيد بعدم عبور النهر؛ لئلاَّ يُحصرَ المسلمون بين النهر والعدو،..
لكن أبا عبيد فضَّل عبور النهر؛ لئلاَّ يكون الفُرْس أجرأَ على الموت من المسلمين،...(*13)
فطلب أبو عبيد من بعض دهاقين المنطقة إقامةَ جسر على نهر الفرات؛ ليعبرَ عليه جندُ المسلمين إلى الفُرْس المعسكرين في "قس الناطف"، وهناك دارتْ معركة بين المسلمين والفُرس في مكان ضَيِّق المطرد، ولم يكن للمسلمين معرفةٌ بمقاتل الفيلة، فلمَّا ضَرَب أبو عبيد الفيلَ بسيفه خبَطه الفيل بيده، فأَرْداه شهيدًا، فاضطرب جيش المسلمين، ..(*14)
ولَمَّا أراد جند المسلمين العودةَ إلى معسكرهم خلفَ النهر، اجتهد أحدُ الجند فقطع الجسر؛ ليمنعَ هزيمة المسلمين وتقهقرهم...(*15)،
فسَقَط عددٌ من جند المسلمين في النهر، غير أنَّ المثنَّى بن حارثة وعددًا من قادة الجيش الإسلامي تمكَّنوا من إصلاح الجِسر، وحماية ظهر الجند، فعَبَر الجند نهرَ الفُرات إلى معسكرهم. ....(*16)
وقد عالج المثنَّى بن حارثة الآثارَ المادية والنفسية لمعركة الجِسر، ونجح في قيادة الجيش الإسلامي، والْتقى مع الفُرس في "معركة البويب"، حيث دارتْ بين المسلمين والفُرْس، ..
و كان الجيش الفارسي فيها مزهوًا بنشوة النصر في معركة الجسر، فأقبل نحوَ المسلمين في صفوف ثلاثة أمامَ كل صفٍّ فيل، فتلقَّفهم المسلمون، وانتصروا عليهم وقتلوا قائدَهم، وهزموا جنده، فولَّوْا هاربين نحوَ الجسر الذي أقاموه خلالَ عبورهم نهرَ الفرات، فسبقهم إليه المثنى بن حارثة، وقطعه وبذلك سدَّد المسلمون للفُرْس ضربةً قوية، وغنموا غنائمَ كثيرة ....(*17)
🔸 أسباب معركة القادسية
كان الصِّدام العسكري بين المسلمين والفُرس قد قطع شوطًا في جبهة العراق في خلافة أبي بكر وأوَّل خلافة عمر لكنَّه لم يبلغْ مرحلةَ اللِّقاء العسكري الحاسم بين الطرفَين، فانتصار المسلمين في معركة البويب لم يُنهِ الوجودَ السياسي والعسكري للفُرْس في العراق .
فكان لا بدَّ مِن لقاء عسكري حاسِم يُنهي الوجود السياسي والعسكري للفُرْس في العراق، ويمكِّن الدعوة الإسلامية أن تشقَّ طريقها إلى الناس في العِراق، ويجعل العراقَ دار إسلام، وأمْن وسلام، فكانتْ معركة "القادسية" ذلك اللِّقاء العسكري الحاسم .
🔸 توحيد الجبهة الداخلية للفرس
كانتِ الجبهة الداخلية للفرس عشيةَ قدوم المسلمين إلى بلاد العراق مضطربة، وكان التنافسُ على عَرْش المدائن شديدًا، غير أنَّ الفرس كانوا مُجْمعين على حرْب المسلمين، ومنع وصول الدعوة الإسلامية إلى بلاد العراق..،(*18)
فلما مَخَر المسلمون السواد، وفتحوا بعضَ مدن العراق، كالحيرة وعين التمر، والأنبار، أدْركتِ القيادةُ السياسية والعسكرية لدولة الفرس أنَّه لا يمكن مواجهةُ المسلمين والتصدِّي للدعوة الإسلامية بجبهة داخلية مضطربة، مما جعلهم يَحْزمون أمرَهم، ويعقدون عزمَهم على تتويج "يزدجرد ابن شهريار" مَلِكًا للدولة الساسانية، ...
فاجتمعت إليه الفرس واستوثقوا، وتبارَى الرؤساء في طاعته ومعونته، وبذلك توحَّدتِ الجبهة الداخلية لدولة الفرس، وتفرَّغت القيادة السياسية والعسكرية لحرْب المسلمين، وطرْدهم من العراق، فكان هذا مما هيَّج أمر "القادسية"(*19).
أعلن يزدجرد حالةَ الطوارئ والاستنفار العام في بلاده، وشَرَع في إعداد جيش قويٍّ زوَّده بعتاد حربي جيِّد، وضمَّ إليه خِيرةَ رجال الفرس العسكريِّين،لحرْب المسلمين وطرْدهم من العراق؛ وأسند قيادته إلى القائد المحنك "رستم" ؛ لرتبته العسكرية، ولعبقريته في الحرب، ومهارته في القتال؛...
شرَع "رستم" في إعداد خطَّة عسكرية لضرْب الوجود الإسلامي في العراق، تقوم على الاتصال بالدهاقين وأهل السواد ، وتشجيعهم على التمرُّد والعِصيان، فاضطربتِ الأوضاع العامَّة في الحيرة، وغيرها من المناطق التي فتَحَها خالدٌ والمثنَّى ؛ وذلك استجابةً لدعوة "رستم"، وتنفيذًا لخطته العسكرية، فنقض أهلُ الذِّمَّة عهودهم وذِممهم، وآذوا المسلمين هناك .(*20)
لَمَّا علم أميرُ المؤمنين عمر بن الخطَّاب -رضي الله عنه- باجتماع كلمة الفرس على يزدجرد وتتويجه ملكًا عليهم، وعلم أيضًا بعزْم قيادتي الفُرْس السياسية والعسكرية على حرْب المسلمين، وطرْدهم من العراق، والتصدِّي للدعوة الإسلامية، أدْرك خطورةَ الموقف وأبعاده، وما سوف يُفرزه من آثار سلبية على سَيْر الدعوة الإسلامية في العراق،...
فقرَّر عمر بن الخطاب رضي الله عنه مناجزةَ الفُرْس، ومنازلتهم في لقاء عسكري حاسِم، يُنهي الوجود السياسي والعسكري للفرس في العراق، ويُمكِّن الدعوة الإسلامية من الوصول إلى الناس في العراق بأمْن وسلام.
فأعلن عمر رضي الله عنه حالةَ الطـوارئ والاستنفار العام في جزيرة العرب، وذلك لإعداد جيش إسلاميٍّ كبير، فكتب إلى أمراء البلدان، ورؤساء القبائل في جزيرة العرب "يأمرهم ألا يَدَعُوا أحدًا له سلاحٌ أو فَرَس، أو نجدة أو رأي، إلاَّ انتخبتموه، ثم وجهتموه إليَّ، والعَجَلَ العَجَل" ...(*21)
استجاب عربُ الجزيرة لاستنفار أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فأخذتْ قوافلهم تحطُّ بالمدينة، فازدحمتْ طرق المدينة وسِككُها بالجند، فخرج عمر بالناس، ونزل على ماء يقال له (صرار)، فعسكر به.
كان رأي عامَّة الجند أن يتولَّى الخليفة قيادة الجيش، فبعث عمر إلى أهل الرأي يستشيرهم في المسألة، فاجتمع إليه وجوه أصحاب الرسول وأعلام العرب وفرسانهم، فاستشارهم في ذلك، فاجتمع مَلؤُهم على أن يقيمَ عمر في المدينة، ويُسندَ قيادةَ الجيش إلى واحد من الصحابة، ويمدَّه بالجنود،
وأشاروا عليه بسعد بن أبي وقَّاص؛ لصُحبته وسَبْقه، ولجرأته وشجاعته في القتال، فأرسل إليه عمر، فلمَّا حَضَر عنده ولاَّه قيادة الجيش، وقال له :
"إني قد وليتُك حرْبَ العراق، فاحفظْ وصيتي، فإنك تَقْدَم على أمر شديد كِريه، لا يخلص منه إلاَّ الحق، فعوِّد نفسَك ومَن معك الخير، واعلم أنَّ عتاد الحرْب الصبرُ، فاصبرْ على ما أصابك، تجتمعْ لك خشيةُ الله، واعلم أنَّ خشية الله تجتمع في أمرين؛ طاعته، واجتناب معاصيه" ..(*22)
سار سعْد بن أبي وقاص بالجيش متمهلاً، وكان إذا مرَّ بحيٍّ من أحياء العرب نَدَبهم إلى الجِهاد. وكان المثنَّى بن حارثة قد انسحب من الحيرة، ونزل مع جنده بذي قار، ينتظر وصولَ سعد بن أبي وقَّاص إليه، ...
فلمَّا وصل سعدٌ بالجيش إلى مكان يقال له "زرود" انتفض جُرْح المثنَّى بن حارثة، الذي أصابه يوم الجِسْر، فمات قبل أن يَلْتقي بسعد، وكان كلُّ واحد منهما مشتاقًا لرؤية صاحبه،
واصَل سعد سيرَه، حتى بلغ مكانًا يقال له "شراف" فعَسْكر به. قدم المثنى بن حارثة الشيباني بوَصية أخيه إلى سَعْد وهو بـ"شراف"، ...
وكان من وصية المثنَّى لسعد: ألاَّ يتوغَّل في بلاد الفُرْس، وأن يقاتلَهم على حدود أرْضهم، على أدْنى حجر من أرض العرب، وأدنى مَدَرة من أرض العجم، وقد أكَّد عمر ذلك في كتابٍ وصل إلى سعد وهو بـ"شراف".
كتب عمر إلى سعد وهو بـ"شراف" يأمره بنزول "القادسية"، وأن يأخذَ الطرق والمسالك على الفُرْس، وأن يجعل على أنْقاب "القادسية" مسالح لحراسة المسلمين، ومراقبة العدو،
وأمَرَه أن يلزم مكانَه في "القادسية" فلا يَبرحْه، وأن يبدأهم بالشدِّ والضرب، وأن يصف له "القادسية"، ويكتب له بأخباره وأخبار عدوِّه كأنَّه ينظر إليه، وأمَره أن يكون محتاطًا حذرًا، مستعدًا للقاء عدوِّه ....(*23).
سار سعْدٌ بالجيش من "شراف"، فنزل "العُذَيْب"، ثم سار حتى نزل "القادسية"، فعسكر على حائط "قديس"، حيال القنطرة، وجعل الخندق وراءَه.
انضمَّ إلى سعد في "القادسية" جندُ المسلمين وقادتهم في العراق، فأصبح عددُ جيش المسلمين في القادسية قريبًا من ستة وثلاثين ألفًا، منهم ثلاثمائة من الصحابة، منهم بِضعة وسبعون من أهل بدر، وسَبْعمائة من أبناء الصحابة،..
وعدد مِن أعلام العرب وقادتهم وفرسانهم، (*24)
يُعدُّ جيش المسلمين في "القادسية" أكبرَ جيش عبَّأه المسلمون لفتْح بلاد العراق ...(*24)
ظلَّ سعدٌ مقيمًا بالقادسية شهرًا دون أن يرى أحدًا من الفُرْس، فأرسل عددًا من السرايا تُغير على شاطئ الفرات ما بين "كسكر"، و"الأنبار"، وتعود بالغنائم، ...
وأراد سعد أن يعلم خبرَ عدوِّه، فأرسل عيونًا إلى "الحيرة"؛ ليأتوه بخبر الفُرْس، فذهبوا إلى هنالك ورجعوا إليه، وأخبروه بأنَّ مَلِك الفرس "يزدجرد" قد أعدَّ جيشًا كبيرًا لمنازلة المسلمين وطَرْدِهم من العراق، وقد هيَّأ لهذا الجيش كلَّ ما تملكه دولةُ فارس من عَدد وعُدَّة وعتاد حربي، ...
وضمَّ إليه خِيرةَ رجال الفرس وقادتهم العسكريين، أمثال: الجالينوس والهرمزان، ومهران رازي والبيرزان، وبهمن جاذويه، وغيرهم، وأسند قيادةَ هذا الجيش إلى رستم بن الفرَّخزاد الأرمني. ..(*25)
كتب سعدٌ إلى أمير المؤمنين عُمرَ يصف له "القادسية" وما جاورها من البلدان، ويخبره أنَّ جميع مَن صالح المسلمين قبله من أهل السواد ألْبٌ لأهل فارس قد خفُّوا لهم، واستعدوا لقتالنا، ...
ويخبره أيضًا أنَّ الفُرْس قد أعدُّوا جيشًا بقيادة رستم وأضرابه، وعسكروا في "ساباط" يحاولون إنغاضنا وإقحامنا، ونحن نحاول إنغاضهم وإبرازهم، وأمرُ الله بعدُ ماضٍ،(*26).
تتابعتْ تعليمات عمر لسعد بن أبي وقاص كأنه يُدير المعركة، ويتحكَّم في حركة الجيش وسعد يُنفِّذ ما يُؤمر به،(*27)
فقد كتب عمر لسعد يقول:
"لا يكربنَّك ما يأتيك عنهم، ولا يأتونك به، فقد أُلْقي في رُوعي أنكم إذا لقيتم العدوَّ هزمتموهم، فاطرحوا الشك، وآثروا اليقين عليه، واستعِنْ بالله وتوكَّل عليه"،
وأمره بالوفاء بالعهد، وحذَّره من الغَدْر وعاقبته، وأمره أن يبعثَ إلى ملك الفُرس وفدًا من أهل الرأي والمناظرة والجلد، يدعونه إلى الإسلام....(*28)
🔸 المفاوضات بين المسلمين والفرس
بعث سعْد بن أبي وقاص إلى ملك الفرس يزدجرد وفدًا يدعونه إلى الإسلام، سار الوفد الإسلامي من القادسية، فاجتاز مدينة ساباط جنوب غربي المدائن.
وصل الوفد إلى المدائن فالْتقى بقادة الفُرْس، وتحدَّث إليهم، فعَرَض عليهم الإسلام ودعاهم إليه، تحدَّث النعمان بن مقرن المزني أحد رجال الوفْد إلى يزدجرد، ودعاه إلى الإسلام بلين ولطف، وبيَّن له فضلَ الإسلام ورحمته بالناس، وعدلـه وإنصافه،
فقال: فنحن ندعوكم إلى دِيننا، وهو دين حسَّـن الحَسَن، وقبَّح القُبْح كلَّه، فإن أجبتم إليه خلَّفْنا فيكم كتابَ الله، على أن تَحْكُموا بأحكامه، ونَرجع عنكم وشأنكم وبلادكم، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فالمناجزة. (*29)
اعتقد يزدجرد أنَّ حُسن أدب الوفد الإسلامي، وملاطفته في المناظرة دليلٌ على ضعْف المسلمين، فتطاول عليهم وأَخَذ يُذكِّرهم بحياتهم قبلَ الإسلام، وينعتهم بأنهم مِن أشْقَى الأمم، وأقلها عددًا، وأضعفها شأنًا، وأسوئها حالاً،...
فتصدَّى له المغيرة بن زرارة، فقال: يا هذا، إنك وصفْتَنا صِفةً لم تكن بها عالِمًا، فتحدَّث المغيرة عن حال العَرَب قبل دخولهم في الإسلام وما كانوا عليه، من ضلال وفُرْقة وذِلَّة، إلا أنَّ الله قد أبدلَ حالهم بالإسلام، فأصبحوا من أفضلِ الأمم عقيدةً، وأحسن الناس خُلقًا، تألَّفت قلوبهم، فاجتمعت كلمتُهم، واستقامتْ حالهم، وعزَّ جانبهم،..
ثم قال: إنَّ الله ورسوله أمَرنا أن ندعوَ مَن يلوننا من الأمم إلى الإسلام، فاخترْ إن شئت أن تُسلِمَ فتنجي نفسك، أو تُعطيَ الجزية عن يدٍ وأنت صاغِر، أو السيف، ..
فقال يزدجرد : أتستقبلني بمثل هذا؟!
قال: ما استقبلتُ إلاَّ مَن كلَّمني، ولو كلَّمني غيرُك ما استقبلتُك به،
فغضب يزدجرد، وأخذتْه العِزَّة بالإثم، وكان سيِّئ الأدب، ضيقًا لجوجًا، لا يأخذ برأي ولا مشورة،......(*30)
فأمر الوفد بالانصراف، وقال: لولا أنكم رسلٌ لقتلتُكم، ثم أمر بإحضار كيس من تُراب، فقال لرجاله: احملوه على أشْرف هؤلاء، فتسابق الوفدُ إلى حَمْله، وتفاءلوا به.....(*31)
سار رستم من النجف فعسكر على نهر العتيق قُبالةَ جند المسلمين، فلمَّا استقرَّ في القادسية واطمأنَّ بها، أرسل إلى سعد بن أبي وقاص يَطلب أن يرسل إليه وفدًا يُفاوضه ويناظره،....
فأرسل إليه سعدٌ عددًا من الرجال يناظرونه ويَدْعونه إلى الإسلام، ويوضِّحون له سببَ مجيء المسلمين إلى العراق، منهم: ربعي بن عامر، وغيره من دُهاة العرب، وذوي الرأي فيهم، وصل رِبعي بن عامر إلى رستم، فقال له: ما جاء بكم....؟
قال رِبعي : إنَّ الله ابتعَثَنا؛ لنُخرِجَ مَن شاء مِن عبادة العباد إلى عبادة الله، ومِن ضِيق الدنيا إلى سعتها، ومِن جَوْر الأديان إلى عَدْل الإسلام، فأرسلَنا بدِينه إلى خَلْقه ندعوهم إليه،..
قال رستم : قد سمعتُ مقالتكم، فهل لكم أن تؤخِّروا هذا الأمر حتى ننظرَ فيه وتنظروا...؟ قال ربعي: نؤجِّلكم ثلاثةَ أيام، فانظرْ في أمرك وأمرهم، واخترْ واحدة من ثلاث: الإسلام، أو الجِزية، أو المناجزة. (*32)
تتابعتْ رسلُ سعد بن أبي وقَّاص على رستم، وكانوا على نَسَق واحد في صِدْق المقالة، ووضوح العبارة، وبلوغ الهدف، فقد دَعَوُا القوم إلى الإسلام، وقالوا لهم: فوالله، لإسلامُكم أحبُّ إلينا من غنائمكم. ..... (*33)،
غير أنَّ رستم أراد مطاولةَ سعد في اللِّقاء، فأرسل إليه يطلب رسولاً آخر، فأرسل إليه سعدٌ المغيرةَ بن شُعْبة، فلمَّا وصل المغيرة تحدَّث إلى رستم مؤكِّدًا مقالة مَن سبقه مِن رسل المسلمين، ...
فاعتقد رستم أنَّ المسألة يمكن أن تُسوَّى بالمال، فتصدَّى له المغيرةُ، وحسم المسألة بقولـه :
إنَّ الله بعث إلينا نبيه "فسعِدْنا بإجابته واتباعه، وأمَرَنا بجهاد مَن خالف أمرَنا، وأخبرنا أنَّ مَن قُتِل منا على دينه فله الجنة، ومَن عاش مَلَك وظَهَر على مَن خالفه، ونحن ندعوك أن تؤمن بالله وبرسوله وتدخل في دِيننا،.....
فإن فعلتَ كانتْ لكم بلادكم، ولا يدخل عليكم فيها أحدٌ إلاَّ مَن أحببتم، وإن أبيتَ ذلك، فالجزية عن يَدٍ وأنت صاغِر، وإن أبيت فالسيف بيننا وبينكم، والإسلامُ أحبُّ إلينا منهما،....
فاستشاط رستم غضبًا، وقال: لا صُلح بيننا وبينكم"، (*34)
فأصبح اللِّقاءُ العسكريُّ بين المسلمين والفرس أمرًا لا مفرَّ منه.
🌺 رضي الله عن أبي بكر وعمر وسعد بن أبي وقاص🌺
🌺 وصلى الله على محمد وآله و صحبه وسلم 🌺
-------------------------------------------------------------------
(*1) رجال حول الرسول .سعد بن أبي وقاص خالد محمد خالد
(*2)[صحيح.] - [رواه الترمذي]
قال الترمذي – رحمه الله - في جامعه (6/ 104 رقم 3752): حدثنا أبو كريب وأبو سعيد الأشج , قالا: حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن عامر الشعبي عن جابر بن عبدالله قال: أقبل سعد فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا خالي فليرني امرؤ خاله "
هذا حديث غريب – وفي بعض النسخ حسن غريب - لا نعرفه الا من حديث مجالد.
وكان سعد بن أبي وقاص من بني زهرة , وكانت أم النبي صلى الله عليه وسلم من بني زهرة فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا خالي. انتهى كلامه.
تخريجه:
1 - أخرجه الطبراني في الكبير (1/ 144 رقم 323) وكذ ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1/ 168 رقم 211 و 213) كلاهما من طريق أبي أسامة عن مجالد به ,
2 - وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة (2/ 751) وكذا ابن سعد في الطبقات (3/ 137) كلاهما من طريق يحيى بن سعيد القطان عن مجالد به.
3 - وأخرجه أبويعلى في مسنده (4/ 42 و 78 رقم 2049 و 2101) من طريق علي بن مسهر عن مجالد به.
و ابوأسامة هو: حماد بن أسامة القرشي الكوفي , قال أحمد بن حنبل: ثقة , (تهذيب الكمال 7/ 217)
-----------
(*3) الطبري، محمد بن جرير (ت 310هـ). تاريخ الرسل والملوك؛ تحقيق أبو الفضل إبراهيم، (نشر دار المعارف القاهرة)، ج3، ص: 345.
(*4) ابن الأثير، أبو الحسن علي بن أبي الكرم الشيباني (ت 630هـ). الكامل في التاريخ. ط02- بيروت: نشر دار الكتاب العربي، 1387هـ / 1967م، 2/262.
(*5) تاريخ الطبري 3/350.
(*6) تاريخ الطبري 3/380
(*7)تاريخ الطبري 3/383
(*8) تاريخ الطبري 3/414
(*9) ابن الأثير 2/285
(*10) تاريخ الطبري 3/414
(*11) تاريخ الطبري، ص: 448
(*12)ابن الأثير، الكامل 2/298
(*13)الطبري، تاريخ الطبري 3/454، والمسعودي، مروج الذهب 2/316 و317،
(*14) ابن الأثير، الكامل 2/301
(*15)مروج الذهب 2/316
(*16) الطبري، تاريخ الطبري 3/554
(*17) الطبري، المصدر السابق، ص: 465 و467
(*18)بن الأثير، الكامل في التاريخ، ج2، ص: 268
(*19) الطبري، ج3، ص: 477 - 478
(*20) ابن كثير: البداية والنهاية، ج9، ص: 613
(*21) الطبري. تاريخ الرسل والملوك، ج3، ص: 479
(*22) الطبري. ج3، ص: 481 - 483
(*23) الطبري تاريخ الرسل والملوك، ج3، ص: 490 - 491
(*24) الطبري، ج3، ص: 487 و490 - وابن الأثير في الكامل ج2، ص311
(*25) د. جميل المصري، تاريخ الدعوة في زمن الرسول - صلَّى الله عليه وسلَّم - والخلفاء الراشدين 0- ط1 0- المدينة المنورة: نشر الدار، 1407هـ / 1987م)، ص: 286.
(*26) الطبري ج3، ص: 595 و596
(*27) الطبري، ج3، ص: 492 - وابن كثير ج9، ص: 617
(*28) د. جميل المصري، تاريخ الدعوة، ص: 286
(*29) الطبري، ص: 495
(*30) الطبري، ج3، ص: 499
(*31)الطبري، ج3، ص: 498، 500، 501، 504
(*32) الطبري، ج3، ص: 500
(*33) الطبري، ج3، ص: 520، وابن كثير. البداية والنهاية: ج9، ص: 622
(*34) الطبري، ج3، ص: 528 ؛أحمد بن يحيى (ت 279هـ). فتوح البلدان (نشر النهضة المصرية 1957م) ص: 315، والطبري. تاريخ الأمم ج3، ص: 525، وابن حبَّان، أبو حاتم محمد البُستى (354هـ)، السيرة النبوية وأخبار الخلفاء 0-ط1- بيروت: نشر مؤسسة الكتب الثقافية، 1407هـ - 1987م
--------------------------------------------------------------------
تابعوا القادسية #رجال_حول_الرسول_جواهر (16)
لا يتوفر وصف للصورة.
كل التفاعلات:
٢٤

إرسال تعليق

Post a Comment (0)

أحدث أقدم

التاريخ الاسلامى

2/recent/post-list